البحر ماشي غير موج ورياح، راه مسرح كبير كيتخلّق فيه الحكايات والطرائف اللي كتخلّي كل رحلة بحّارة قصة بوحدها. ومن منطلق هاد الغنى ديال الميدان، الجريدة غادي تبقى منكبّة على نشر هاد الطرائف باش توصل لقرّاءها الصورة الحقيقية للي كيوقع فوق الماء وتحت السماء. ولهذا الغرض، نهيب بجميع البحّارة والمهنيين يشاركونا طرائفهم عبر الواتساب 0610333228 باش توثق وتنشر للجميع.
البحر أنفو – 28/04/2026 في سواحل الوطية، حيث يفرض البحر كلمته حين تغضب الأحوال الجوية التي تعلن سيادتها المطلقة وترغم المراكب على الانحناء لصمت الانتظار، توقفت مراكب صيد السردين عن الإبحار، واستسلمت لانتظار هدوء “المنزلة”.
كان الميناء في تلك الظهيرة يموج بحركة خفيفة، وأصوات البحارة تختلط في مسرح مفتوح…نصفه هدوء، و نصفه حكايات تطبخ على نار خفيفةمثل قدور ” العدس” و“اللوبيا” التي لا تخلو منها “الكوزينة” البحرية.
في تلك الظهيرة، لم يكن شيء يوحي بأن حدثاً عادياً سيتحول إلى ملهاة تُروى لسنوات. مراكب السردين مصطفّة كجنود في استراحة قسرية، والبحارة يتوزعون بين إصلاح الشباك، واحتساء الشاي، ومراقبة الأفق كأنهم ينتظرون إشارة سرية من البحر. وعلى مقربة، كانت ماكينة “طانطاسير” أو “البومبة” كما يحلو لهم تسميتها تواصل همهمتها، كأنها القلب الوحيد الذي لم يتوقف عن النبض.
هناك، بدأت القصة… أو “ الشرارة ”.
عامل من عمال “بومبة طانطاسير”، رجل بسيط لكن بعينين لا تخطئان رائحة الطعام، التقط خيطاً من عبق “اللوبيا” المتصاعد من مركب قريب. رائحة ثقيلة، دافئة، تُوقظ في البطن ذاكرة الجوع. لم يتردد. توجه بخطوات واثقة نحو “الكوزينة”، وفي صوته نبرة رجاء خفيفة: – طلب نصيبا من الوجبة المفضلة لديه “ وا الكوزيني شوية… الله يخليك.” لكن “الكوزيني”، حارس القدر وشرطي الملاعق، لم يكن في مزاج المساومة. جاء الرد قاطعاً، بارداً كرياح “المنزلة”: “ما كاين حتى شي نصيب برا الطاقم.”
لحظة صمت… قصيرة في الزمن، طويلة في النفس.
انسحب الرجل، دلك الرفض الدي بدا عاديا في لحظته، لم يمر مرور الكرام، انسحابه لم يكن هزيمة، بل كان بداية فكرة. فكرة صغيرة، لكنها كما يحدث دائماً في البحر قادرة على أن تكبر بسرعة غير متوقعة. عاد إلى “البومبة”، وبعين خبيرة تعرف خبايا البحر أكثر مما تعرف القوانين، التقط “حبات السهلة”… تلك الحبات التي لا تحتاج إلى تعريف بين البحارة. حبات صامتة، لكن أثرها… صاخب إلى حد الفضيحة …حبة معروفة بتأثيرها القوي على الجهاز الهضمي في خطة بسيطة، و”انتقام” بطعم اللوبيا.
في غفلة من الجميع، تسلل من جديد إلى المركب، واستغفل الكوزيني الدي أصر على رفضه القاطع لطلبه قائلا، فيي التيساع وريلا ما يتشتا وغادر الكوزينة نحو الطونديا لجلب خنشة الخبز، و هي اللحظة الحاسمة الدي ظل فيها أمام “الكاميلة” التي تغلي في هدوء وبيد سريعة وقرار أسرع ألقى الرجل ” هدية الانتقام ” داخل القدر، حبات لا يستهان بها من حبة ميلك ثم انسحب وكأن شيئاً لم يكن.
حان وقت الغداء. اصطف البحارة كعادتهم أمام “الكوزينة”، كل واحد يحمل صحنه وينتظر نصيبه بعد ساعات من الترقب كأنه يحمل وعدا بسيطا بالسعادة. حتى “الرايس”، الذي غالباً ما يحظى بوجبة خاصة، وجد نفسه هذه المرة يتقاسم نفس الطبق مع الطاقم ” اللوبيا التي لا تقاوم”، الجميع سواسية أمام “اللوبيا”..او هكدا ظنوا.
الدقائق الأولى مرت بسلام، ملاعق تتحرك، أحاديث خفيفة، ورضا عام عن جودة الطبيخ “
تجمد المشهد. “الرايس” كان أول من استشعر الخطر. وجهه تغيّر، نظرته اضطربت، ووضع الملعقة ببطء… قبل أن ينهض فجأة، كمن تلقى أمراً عسكرياً عاجلاً. خرج من الباسريل و اتجه مهرولا نحو “المرحاض” ، لا تحتمل التأجيل.
ثوانٍ فقط… ثم لحق به بحار. ثم آخر. و آخر…ينتظرون خروج الرايس من المرحاظ..واش الرايس لي هنا فانفض الجميع من أمام المرحاظ بعد سماعهم الرايس يتألم و يحدث أصوات رعدية يقول للكوزيني من داخل المرحاظ أشدرتي في الكاميلة أعدو الله ؟؟؟
وفي أقل من دقيقة، تحول المركب إلى ما يشبه سباقاً غير معلن، عنوانه الوحيد: “من يصل أولاً ؟”
“المرحاض” لا يتسع إلا لشخص واحد، ولا يمكن إجبار الرايس على الخروج من المرحاظ فكان”البلوق” الوجهة الاضطرارية، والبعض… لم يسعفه لا هذا ولا ذاك لأن حبة ميلك لا تمنحك الفرصة حتى لنزع ملابسك فكانت الكارثة التي ليس من بعدها كارثة.
المشهد كان عبثياً إلى درجة الإبداع.
وسط هذا المشهد الفوضوي، كانت الضحكات تتعالى من المراكب المجاورة التي تابعت “العرض” غير المتوقع، بينما تحولت “الكوزينة” إلى مركز اتهام مباشر.
انهالت كلمات الغضب واللوم على “الكوزيني”، الذي وجد نفسه في قلب عاصفة لا يفهم أسبابها.
ومع انكشاف حجم “الكارثة”،التي لم يكن أحد يعرف سببها، لكن “العرض” كان واضحاً: رجال أقوياء، هزمهم طبق اللوبيا وما أدرا ما اللوبية ؟؟
في قلب العاصفة، بدا“الكوزيني” مذهولاً. تحول في لحظات إلى المتهم الأول،
القاضي، والضحية في آن واحد.
انهالت عليه الاتهامات: – “شنو درتي لينا ؟!” – “واش بغيت تقتلنا؟!” وهو… لا يملك إلا قسمات وجه بريئة، وعينين تبحثان عن تفسير، لكن في البحر، لا أحد ينتظر الحقيقة عندما تكون “النتائج” واضحة. جاء الحكم سريعاً… وقاسياً: “الكوزيني خاصو يمشي.” حتى “الرايس”، الذي خرج لتوه من “المعركة”، لم يعترض. ربما لأنه كان… أكثر المتضررين.
هكذا، تحولت وجبة لوبيا عادية إلى واحدة من أكثر القصص تداولاً بين بحارة ميناء الوطية بطانطان، حكاية تختصر روح البحر… حيث لا تمر التفاصيل الصغيرة دون أثر، وحيث قد يكلف طبق مرفوض “معركة مع المرحاض” تُروى لسنوات طويلة، كلما اشتدت “المنزلة” وعاد البحارة إلى انتظار الفرج.
وهكذا، انتهت القصة… أو بدأت. منذ ذلك اليوم، لم تعد “اللوبيا” مجرد وجبة على متن مراكب السرادلية، بل صارت ذكرى، ونكتة، وتحذيراً غير مكتوب.







