عاجل
30 أبريل 2026 على الساعة 15:08

تقرير IFC يكشف: تربية الأحياء المائية أكبر فرصة استثمارية غير مستغلة

البحر أنفو – 30/04/2026 لم يعد السؤال في المغرب هو ما إذا كان القطاع الخاص قادرًا على لعب دور أكبر في الاقتصاد، بل كيف يمكن تحرير طاقته الكاملة وتسريع دخوله إلى قطاعات واعدة لم تستثمر بعد بالشكل الكافي. تقرير IFC الأخير حول “تشخيص القطاع الخاص بالمغرب” يضع هذا الرهان في صلب المرحلة المقبلة، مقترحًا رؤية عملية تنطلق من واقع المستثمر لا من طموحات نظرية، وتحدد بدقة مكامن التعثر التي تحول دون تحويل المشاريع المربحة إلى استثمارات قائمة.
التقرير يبرز أن المغرب يتوفر على مقومات قوية، من استقرار اقتصادي وبنيات تحتية متطورة وقاعدة صناعية متنامية، غير أن هذه المؤهلات لا تنعكس بعد بالقدر الكافي على دينامية الاستثمار الخاص. فالمشكل لم يعد في غياب الفرص، بل في وجود عراقيل تنظيمية وإدارية وعقارية ومالية تعرقل الانتقال إلى السرعة القصوى.

ومن بين القطاعات الأربعة التي ركز عليها التشخيص، تبرز تربية الأحياء المائية البحرية كأحد أكبر الرهانات الاستراتيجية للمغرب، ليس فقط من حيث حجم الاستثمارات الممكنة، ولكن أيضًا من حيث قدرتها على خلق فرص شغل واسعة وتعزيز الأمن الغذائي وتخفيف الضغط على المصايد التقليدية.
رغم أن المغرب حدد منذ سنوات مناطق بحرية مخصصة لتطوير هذا النشاط، فإن استغلالها لا يزال دون المستوى المطلوب. الإمكانيات الطبيعية متوفرة، من سواحل طويلة وتنوع بيولوجي مهم، لكن الواقع يكشف عن بطء واضح في تحويل هذه المؤهلات إلى مشاريع إنتاجية على الأرض. السبب الرئيسي لا يكمن في ضعف الاهتمام، بل في تعقيد المساطر وتعدد المتدخلين وغياب وضوح الرؤية بالنسبة للمستثمرين.
الولوج إلى التراخيص يظل مسارًا طويلاً ومتشعبًا، حيث تتداخل اختصاصات عدة إدارات دون تنسيق كافٍ، ما يخلق حالة من عدم اليقين ويؤخر إطلاق المشاريع. كما أن مسألة العقار المرتبط بالبنيات التحتية المرافقة، مثل وحدات المعالجة والتخزين، تظل غير محسومة في كثير من الحالات، وهو ما يشكل عائقًا إضافيًا أمام الاستثمار.
إلى جانب ذلك، يواجه القطاع تحديًا تقنيًا وماليًا مهمًا يتعلق بتكلفة أعلاف الأسماك، التي تمثل جزءًا كبيرًا من كلفة الإنتاج. وفي ظل غياب حلول مرنة، مثل الترخيص باستخدام مصادر بروتين بديلة، يبقى هامش الربحية محدودًا، ما يقلل من جاذبية القطاع بالنسبة للمستثمرين.


التقرير يدعو إلى إصلاحات دقيقة لكنها حاسمة، تبدأ بتبسيط ورقمنة مساطر الترخيص، مع تحديد آجال واضحة للرد على طلبات المستثمرين، بما يضمن الشفافية ويقلص من حالة الانتظار. كما يشدد على ضرورة توحيد المتدخلين عبر آليات تنسيق فعالة، وتوضيح الإطار القانوني المتعلق باستغلال العقار، خاصة في المناطق الساحلية.
ومن بين التوصيات المهمة أيضًا، تسريع اعتماد استخدام البروتينات الحيوانية المعالجة في تغذية الأسماك، وهو إجراء من شأنه خفض التكاليف وتعزيز تنافسية الإنتاج الوطني. هذه الخطوات، رغم بساطتها الظاهرية، يمكن أن تحدث تحولًا نوعيًا في القطاع.
الأرقام التي يقدمها التقرير تعكس حجم الفرصة: ما يقارب 1.96 مليار دولار من الاستثمارات الخاصة الممكنة، مع قدرة على خلق حوالي 75 ألف منصب شغل. وهي أرقام تجعل من تربية الأحياء المائية أحد أكبر خزانات النمو غير المستغلة في الاقتصاد الأزرق المغربي.
لكن الرهان الحقيقي يتجاوز الأرقام، ليصل إلى إعادة تشكيل علاقة المغرب بموارده البحرية. فبدل الاعتماد المفرط على الصيد، الذي يظل عرضة لتقلبات المخزون الطبيعي، توفر تربية الأحياء المائية نموذجًا أكثر استدامة واستقرارًا، قادرًا على تلبية الطلب المتزايد على المنتجات البحرية محليًا ودوليًا.
في المحصلة، يؤكد التقرير أن مستقبل الاستثمار في المغرب لن يتحدد فقط بحجم الفرص المتاحة، بل بمدى القدرة على إزالة الحواجز التي تعيق استغلالها. وتبقى تربية الأحياء المائية نموذجًا واضحًا لهذا التحدي: قطاع غني بالإمكانات، لكنه في حاجة إلى دفعة تنظيمية حقيقية ليصبح أحد أعمدة الاقتصاد الوطني في السنوات المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *