البحر أنفو – 26/04/2026 مبيدات “محظورة” تعود إلى الواجهة… دراسة تكشف بقايا كيميائية عالقة في بحيرة مارتشيكا
في تطور علمي يسلّط الضوء على تعقيدات التلوث طويل الأمد، كشفت دراسة مغربية حديثة نُشرت في مجلة Marine Pollution Bulletin عن استمرار وجود آثار للمبيدات العضوية الكلورينية في مياه بحيرة مارتشيكا، رغم مرور سنوات على حظر استخدامها. هذا المعطى يعيد طرح سؤال جوهري حول قدرة البيئة على “نسيان” الملوثات الكيميائية ذات الثبات العالي.
تلوث من الماضي… حاضر في الماء
المبيدات العضوية الكلورينية، التي استُخدمت على نطاق واسع في الزراعة لمكافحة الآفات، تُعرف بخصائصها الكيميائية المعقدة، خاصة مقاومتها للتحلل وقدرتها على التراكم داخل الأنسجة الحية، فيما يُعرف بـالترسيب الحيوي. هذه الخصائص تجعلها قادرة على البقاء لعقود داخل التربة والمياه، لتعود لاحقًا عبر مسارات غير مباشرة إلى الأنظمة البيئية.
الدراسة، التي أنجزها باحثون من جامعة محمد الأول بوجدة والمختبر الوطني لدراسات ورصد التلوث بالرباط، تؤكد أن عامل الزمن لم يكن كافيًا لتفكيك هذه المركبات، حيث لا تزال آثارها تُرصد في واحدة من أهم البحيرات الساحلية بالمغرب.

منهجية دقيقة… ونتائج لافتة
اعتمد الباحثون مقاربة ميدانية شاملة، شملت تسع محطات قياس موزعة داخل البحيرة، مع التركيز على المناطق القريبة من مصادر محتملة للتلوث، خصوصًا مصبات المياه الزراعية. وخلال فصول السنة الأربعة، تم جمع عينات من المياه السطحية وتحليلها باستخدام تقنية الكروماتوغرافيا الغازية المقترنة بمطياف الكتلة، وهي من أدق الأدوات العلمية للكشف عن المركبات الكيميائية حتى في تركيزات ضئيلة.
ولتعزيز دقة النتائج، لجأ الفريق إلى تقنية “المراقبة الانتقائية للأيونات”، ما مكّن من تتبع مركبات محددة بدقة عالية. وقد أسفرت التحاليل عن رصد 8 مبيدات من أصل 14 مادة تم البحث عنها، بتراكيز تراوحت بين 1.43 و24.77 نانوغرام لكل لتر.
وسُجلت أعلى مستويات التلوث في منطقة مصب قناة بوارغ، ما يشير بوضوح إلى دور الجريان السطحي الزراعي في نقل بقايا هذه المواد من التربة إلى المياه، حتى بعد عقود من وقف استعمالها.
نظام بيئي هش تحت الضغط
تكشف هذه النتائج عن هشاشة بحيرة مارتشيكا كنظام بيئي شبه مغلق، حيث يؤدي ضعف تجدد المياه إلى تراكم الملوثات في بعض المناطق. وعلى عكس البحار المفتوحة، لا تملك البحيرات الساحلية القدرة الكافية على “تخفيف” التلوث عبر التيارات، ما يجعلها أكثر عرضة للاختلالات البيئية.
وتحذر المعطيات العلمية من أن هذه المركبات، رغم انخفاض تركيزاتها، قد تُحدث تأثيرات تراكمية على المدى الطويل، خاصة عبر السلسلة الغذائية، حيث تنتقل من الطحالب إلى الأسماك، ومنها إلى الإنسان.

بين غياب البدائل واستمرار الأثر
تشير المعطيات إلى أن مصدر هذه الملوثات ليس استخدامًا حديثًا، بل “إرث كيميائي” يعود إلى ممارسات زراعية سابقة. غير أن استمرار رصدها يسلّط الضوء على إشكالية أعمق، تتعلق بغياب بدائل بيئية فعالة واقتصادية في بعض السياقات الزراعية، ما يفرض تحديات على مستوى الانتقال نحو ممارسات أكثر استدامة.
ما بعد الاكتشاف… أسئلة مفتوحة
ورغم أن الدراسة لا تشير إلى مخاطر صحية مباشرة على الإنسان في الوقت الراهن، فإنها تفتح نقاشًا علميًا أوسع حول تأثيرات التلوث المزمن، خاصة على التنوع البيولوجي واستقرار الأنظمة البيئية.
فهل يمكن للبيئة أن تتعافى بالكامل من ملوثات “عصية على الزمن”؟
وهل تكفي السياسات الحالية لمواجهة إرث كيميائي يمتد لعقود؟
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن التحدي لم يعد فقط في منع استخدام المواد الخطرة، بل في تدبير آثارها الممتدة، التي تستمر في الظهور حتى بعد اختفائها من التداول.










