البحر أنفو – 20/04/2026 تشير المؤشرات الأخيرة المرتبطة بنشاط الصيد البحري بجهة طنجة إلى تحوّل نوعي في بنية الأداء الاقتصادي للقطاع، حيث سجلت مفرغات الصيد التقليدي ارتفاعًا لافتًا بنسبة 63 % على مستوى الحجم، مقابل زيادة بنسبة 13 % في القيمة السوقية. وهي أرقام، رغم ما تحمله من دلالات إيجابية على مستوى الدينامية التجارية، تطرح في العمق جملة من التساؤلات المشروعة حول طبيعة هذا النمو ومصادره الحقيقية.
في القراءة الأولية، قد يبدو هذا الارتفاع نتيجة مباشرة لتحسن المخزون السمكي أو لظروف بيئية مواتية، غير أن التحليل الموضوعي يستبعد هذا الطرح، بالنظر إلى أن المؤشرات البيولوجية للثروة السمكية بسواحل طنجة لم تسجل تحولات جذرية تبرر هذا الارتفاع الكمي الكبير. وعليه، فإن تفسير هذه الأرقام ينبغي أن يُبحث عنه خارج منطق “وفرة المورد”، ليتجه نحو ديناميات التدبير والحكامة داخل القطاع.
أولى هذه الديناميات تتجلى في تشديد منظومة المراقبة البحرية، حيث برز دور مصالح مندوبية الصيد البحري بطنجة، مدعومة بفرق المراقبة، في محاصرة واحدة من أكثر الظواهر استنزافًا للاقتصاد الوطني:
التهريب. هذا “النزيف الصامت” الذي كان يستنزف جزءًا مهمًا من المفرغات خارج القنوات الرسمية، وجد نفسه أمام تضييق ممنهج أعاد توجيه كميات معتبرة من المصطادات نحو المسالك القانونية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على حجم المفرغات المصرح بها.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن نسبة 63 % المسجلة في حجم المفرغات لا تعكس بالضرورة ارتفاعًا في الإنتاج بقدر ما تعكس “استرجاعًا” لكميات كانت تُسوق سابقًا خارج الدوائر المنظمة. وهو ما يفسر، في المقابل، الارتفاع المحدود نسبيًا في القيمة السوقية (13 %)، إذ أن دخول هذه الكميات إلى السوق الرسمية ساهم في توسيع العرض، وبالتالي ممارسة نوع من الضغط على الأسعار.

العامل الثاني لا يقل أهمية، ويتمثل في انخراط الفاعلين المهنيين، خاصة تجار السمك، في هذا التحول. فقد لعب هؤلاء دورًا محوريًا في دعم مسار الشفافية، سواء من خلال تثمين المنتوجات البحرية أو عبر القطع مع قنوات التسويق غير المهيكلة. هذا التحول في السلوك التجاري يعكس وعيًا متزايدًا بأهمية المنافسة الشريفة وتكافؤ الفرص، كما يساهم في إرساء قواعد سوق أكثر تنظيمًا واستقرارًا.
كما أن بلوغ ما يمكن تسميته بـ”محور التثمين” لم يكن نتيجة ظرفية، بل هو ثمرة تفاعل عدة عوامل، من بينها تحسين ظروف التفريغ، وتعزيز البنيات التحتية، واعتماد آليات تتبع أكثر صرامة، إضافة إلى تزايد الوعي بأهمية الجودة في تحديد القيمة السوقية للمنتوج البحري.
غير أن هذه النتائج، رغم إيجابيتها، تفرض تحديات مستقبلية لا تقل أهمية. فاستدامة هذا التحسن تظل رهينة بمواصلة مجهودات المراقبة، وتعزيز آليات الحكامة، مع الحرص على تحقيق توازن دقيق بين رفع حجم المفرغات والحفاظ على المخزون السمكي. كما أن تطوير سلاسل القيمة، والانتقال من منطق الكمية إلى منطق الجودة والتثمين، يبقى رهانًا استراتيجيًا لضمان مردودية اقتصادية أعلى.

في المحصلة، تكشف أرقام طنجة عن تحول عميق في طريقة اشتغال قطاع الصيد البحري، حيث لم يعد النمو مرتبطًا فقط بما تجود به البحار، بل بما تُنتجه منظومة التدبير من نجاعة وشفافية. إنها قصة انتقال من اقتصاد الظل إلى اقتصاد منظم، ومن فوضى السوق إلى عقلنة العرض، وهو مسار، رغم ما يكتنفه من تحديات، يضع أسسًا صلبة لمستقبل أكثر استدامة للقطاع.







