البحر أنفو – 23/04/2026 في خضم التحولات الجيو-اقتصادية التي تعيد رسم خرائط القوة والنفوذ عبر البحار، يبرز الرهان البحري كأحد أهم مفاتيح السيادة الحديثة.
وفي هذا السياق، تكتسي التوجيهات السامية لصاحب الجلالة محمد السادس، الداعية إلى إرساء أسطول وطني بحري قوي ومندمج، بعدًا استراتيجيًا يتجاوز مجرد تحديث البنية التحتية، نحو بناء قوة بحرية اقتصادية قادرة على فرض موقع المغرب ضمن سلاسل الإمداد العالمية.
غير أن هذا التوجه الطموح يطرح، في عمقه، سؤالًا جوهريًا: لماذا لا يتم توسيع هذا الورش ليشمل فتح المجال أمام الاستثمار الخاص في امتلاك وتشغيل سفن صهريجية متخصصة في تزويد السفن التجارية بالوقود في عرض البحر؟
فهذه الحلقة، التي تبدو تقنية في ظاهرها، تخفي في جوهرها رافعة مالية واستراتيجية هائلة، استطاعت دول عدة توظيفها لتحويل سواحلها إلى منصات طاقية عائمة تدر مليارات الدولارات سنويًا.

إن موقع المغرب الجغرافي، المطل على واحد من أكثر الممرات البحرية ازدحامًا في العالم، يضعه في قلب المعادلة. فمضيق مضيق جبل طارق يشكل شريانًا حيويًا للتجارة الدولية، تعبره آلاف السفن سنويًا، محمّلة بالبضائع والطاقة والرهانات الجيوسياسية. ومع ذلك، يظل جزء مهم من القيمة المضافة المرتبطة بهذه الحركة الكثيفة يُحوّل نحو موانئ أجنبية توفر خدمات التزويد بالوقود (bunkering)، في حين يكتفي المغرب بدور الممر بدل أن يتحول إلى فاعل مركزي في هذا الاقتصاد البحري.

من منظور واقعي – أو إن صح التعبير “مكيافيلي” – فإن الدول لا تُبنى بالنوايا الحسنة وحدها، بل بقدرتها على اقتناص الفرص وتطويع الجغرافيا لخدمة مصالحها العليا. وهنا يكمن جوهر الطرح: فتح المجال أمام المستثمرين المغاربة لاقتناء سفن صهريجية، تعمل وفق أعلى المعايير البيئية والقانونية، ليس مجرد خيار اقتصادي، بل هو خطوة نحو إعادة توزيع موازين القوة الاقتصادية في الفضاء البحري الإقليمي.
فهذا التوجه من شأنه أن يحقق ثلاث مكاسب استراتيجية متداخلة. أولها، خلق مورد مهم للعملة الصعبة، عبر استقطاب جزء من الطلب الدولي على تزويد السفن بالوقود، خاصة في ظل ارتفاع حركة النقل البحري وتزايد الحاجة إلى خدمات سريعة وموثوقة في عرض البحر. ثانيها، تعزيز السيادة الطاقية، من خلال بناء أسطول وطني قادر على تأمين احتياطي عائم من المواد الطاقية، يمكن تعبئته في حالات الأزمات أو اضطرابات سلاسل التوريد. أما ثالثها، فيتجلى في نقل الخبرة وتطوير كفاءات وطنية في مجال عالي التقنية، يجمع بين اللوجستيك البحري والطاقة والبيئة.

ولا يمكن إغفال البعد البيئي في هذا التصور، إذ إن تطوير هذا النشاط يجب أن يتم وفق ضوابط صارمة، تراعي المعايير الدولية للسلامة البحرية وحماية النظم الإيكولوجية، خصوصًا في مناطق حساسة مثل المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط. فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تحقيق الربح، بل في تحقيقه بشكل مستدام ومسؤول.
إن التجارب الدولية تؤكد أن خدمات “البنكرينغ” لم تعد نشاطًا هامشيًا، بل تحولت إلى صناعة قائمة الذات، تدعمها سياسات تحفيزية واستثمارات ضخمة، كما هو الحال في موانئ عالمية استطاعت أن تبني حولها منظومات اقتصادية متكاملة. والمغرب، بما راكمه من خبرة في تطوير بنياته المينائية، وبما يتوفر عليه من استقرار سياسي وموقع استراتيجي، يملك كل المقومات للانخراط بقوة في هذا المجال.
في المحصلة، فإن الرهان اليوم لم يعد فقط في امتلاك أسطول وطني، بل في توسيع مفهوم هذا الأسطول ليشمل أنشطة ذات قيمة مضافة عالية، تجعل من البحر مصدر قوة لا مجرد مجال عبور. وبين الواقعية السياسية والحسابات الاقتصادية، يظل السؤال مفتوحًا: هل يختار المغرب أن يظل شاهدًا على ثروات تعبر مياهه، أم فاعلًا يستثمرها لصالحه؟

بين السيادة و الربح : معركة السيطرة على اقتصاد البحر تبدأ من الوقود لأن سفن الوقود ببساطة هي مفتاح قوة بحرية جديدة للمغرب و استراتيجية بحرية بنَفَس جديد، فهل يدخل المغرب نادي القوى الطاقية البحرية؟










