عاجل

نفق استراتيجي تحت البحر.. هل يغير موازين النقل بين القارتين ؟

البحر أنفو – 24/04/2026 في قلب واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، يطفو من جديد مشروع طال انتظاره، مشروع لا يتعلق فقط بالبنية التحتية، بل بإعادة رسم خريطة العبور بين قارتين. الحديث هنا عن الربط القاري بين المغرب وإسبانيا عبر مضيق جبل طارق، الذي بات، وفق معطيات حديثة، أقرب من أي وقت مضى إلى الانتقال من خانة الحلم إلى ورش قابل للتنفيذ.

التقارير الصادرة عن جهات إسبانية متخصصة في الدراسات الهندسية تؤكد أن فكرة إنشاء نفق بحري يربط ضفتي أوروبا وإفريقيا لم تعد مجرد تصور نظري، بل أصبحت خياراً واقعياً من الناحية التقنية، رغم ما يحيط بها من تعقيدات جيولوجية وكلفة مالية مرتفعة. المشروع، في صيغته الحالية، يقترح إنجاز بنية تحتية سككية بطول يقارب 42 كيلومتراً، يمتد جزء كبير منها، حوالي 27.7 كيلومتراً، تحت قاع البحر، ليربط بين منطقة بونتا بالوما جنوب إسبانيا ومنطقة كاب مالاباطا شمال المغرب، على عمق قد يصل إلى 475 متراً.

الهندسة المقترحة للمشروع تقوم على حفر ثلاثة أنفاق متوازية، اثنان مخصصان لحركة القطارات، وثالث للسلامة والتدخلات الطارئة، في تصميم يعكس توجهاً واضحاً نحو اعتماد النقل السككي كخيار استراتيجي في المرحلة الأولى، دون إدراج حركة السيارات. خيار يعكس، في العمق، تحولات عالمية نحو وسائل نقل أكثر استدامة وأقل كلفة بيئية.

غير أن الطريق إلى التنفيذ لا يخلو من التحديات. فالمشروع يصطدم بواحدة من أعقد النقاط الجيولوجية في المنطقة، وهي ما يُعرف بـعتبة كامارينال، حيث تتداخل الخصائص الجيولوجية بين مياه البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، ما يجعل عمليات الحفر في هذه النقطة رهانا تقنيا دقيقاً يتطلب حلولاً هندسية متقدمة.

من حيث الكلفة، تتراوح التقديرات بين 7.5 و10 مليارات دولار، وهو رقم يعكس ضخامة المشروع وحجمه الاستراتيجي، خاصة وأنه لا يُنظر إليه فقط كمنشأة للنقل، بل كبنية قادرة على إحداث تحول عميق في دينامية التبادل بين ضفتي المتوسط. فنجاح هذا الورش يعني تقليص زمن العبور بشكل غير مسبوق، وتعزيز الربط اللوجستيكي، وفتح آفاق جديدة أمام التجارة والاستثمار.

ويرى متتبعون أن هذا المشروع، في حال خروجه إلى حيز التنفيذ، سيشكل نقطة تحول في العلاقات بين أوروبا وإفريقيا، ليس فقط من زاوية النقل، بل أيضاً على مستوى التكامل الاقتصادي وإعادة توزيع الأدوار الجيو-استراتيجية في المنطقة. فالمغرب، الذي رسخ موقعه كمنصة لوجستية إقليمية، سيجد نفسه في قلب شبكة عبور قارية غير مسبوقة، بينما ستستفيد إسبانيا من تعزيز موقعها كبوابة جنوبية لأوروبا.

هكذا، وبين رهانات الهندسة وتعقيدات الجغرافيا، يواصل مشروع نفق جبل طارق التقدم بخطى محسوبة، حاملاً معه طموح ربط قارتين عبر أعماق البحر، في واحد من أكثر المشاريع جرأة في القرن الحادي والعشرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *