البحر أنفو – 04/05/2026 استعادت أسواق الجملة للبيع الأول للأسماك بكل من الداخلة والعيون وطانطان وأكادير، صباح اليوم الاثنين 04 ماي 2026، حركيتها التجارية بعد فترة من الترقب والشدّ والجذب، لكن هذه العودة لم تكن عادية، بل جاءت محمّلة بروح جديدة عنوانها الانضباط المالي الصارم.
فمع دخول نظام الأداء المسبق أو الشيكات المصادق عليها حيّز التنفيذ، وجد المهنيون أنفسهم أمام واقع مختلف يقطع مع سنوات من التعاملات التي كانت تقوم، في كثير من الأحيان، على الثقة المؤجلة و”الكريدي” المفتوح.
هذا التحول لم يأت من فراغ، بل يستند إلى توصيات واضحة صادرة عن المجلس الأعلى للحسابات، وجرى تنزيلها ميدانياً من طرف المكتب الوطني للصيد البحري، باعتباره الفضاء الذي تتقاطع فيه مصالح المجهزين والبحارة وتجار السمك.

ومع انطلاق أول يوم من التطبيق، بدا المشهد وكأنه اختبار حقيقي لمدى استعداد الفاعلين للانخراط في هذا الورش الإصلاحي الذي لا يترك مجالاً للمناورة أو التأجيل.
ففي الوقت الذي انخرط فيه عدد مهم من التجار، خاصة في الأسواق الكبرى، في احترام الإجراءات الجديدة، ظل آخرون في حالة ترقب أو اختاروا الغياب، وهو سلوك يكاد يكون طبيعياً في سياق كل تحول عميق يمس توازنات السوق. غير أن الرسالة التي بدأت تتشكل تدريجياً مع مرور الساعات الأولى كانت واضحة: القواعد تغيرت، ومنطق “خذ الآن وادفع لاحقاً” لم يعد قائماً، بل حلّ محله منطق جديد يقوم على الضمان الفوري والسيولة الجاهزة.

الارتدادات لم تتوقف عند حدود أسواق البيع الأول، بل امتدت بسرعة إلى أسواق البيع الثاني، حيث ارتفع منسوب التوتر بشكل ملحوظ. فالموزعون، الذين كانوا بدورهم جزءاً من سلسلة “الكريدي”، أعلنوا بشكل شبه جماعي نهاية هذا الأسلوب، واشترطوا تحصيل القيمة المالية للأسماك فور بيعها، من أجل إعادة ضخها مباشرة في دورة الشراء من أسواق البيع الأول. وهكذا، تحولت السلسلة التجارية برمتها إلى حلقة مترابطة لا تقبل التأخير، حيث أي اختلال في السيولة عند مستوى معين قد ينعكس فوراً على باقي الحلقات.

هذا الواقع الجديد وضع العديد من المهنيين، خصوصاً صغار التجار، أمام ضغط غير مسبوق، إذ لم يعد بالإمكان الاعتماد على تدوير الديون كآلية لتسيير النشاط اليومي. وفي المقابل، يرى آخرون أن ما يحدث اليوم، رغم قسوته، يشكل خطوة ضرورية لتنقية المعاملات من الاختلالات، والحد من المخاطر المالية التي كانت تهدد استقرار القطاع في العمق.
وسط هذه التحولات المتسارعة، يبرز عامل حاسم قد يرسم ملامح المرحلة المقبلة، ويتمثل في دور المؤسسات البنكية التي تبقى الجهة الوحيدة القادرة على مواكبة هذا الانتقال عبر توفير حلول تمويلية مرنة تضمن استمرارية النشاط دون خنق الفاعلين.

فنجاح هذا الورش لن يقاس فقط بمدى صرامة تطبيقه، بل أيضاً بقدرته على خلق توازن جديد يوفق بين متطلبات الشفافية وحاجة السوق إلى السيولة.
ما تعيشه أسواق السمك اليوم ليس مجرد تعديل تقني في طرق الأداء، بل هو تحول عميق يعيد صياغة قواعد اللعبة من أساسها. إنه انتقال من اقتصاد غير مهيكل نسبياً إلى منطق أكثر صرامة ووضوحاً، انتقال قد يبدو مؤلماً في بدايته، لكنه يحمل في طياته إمكانية بناء سوق أكثر شفافية واستقراراً. وبين القلق والأمل، يقف المهنيون اليوم على عتبة مرحلة جديدة، عنوانها الأكبر: لا مكان بعد الآن إلا لمن يستطيع التأقلم مع زمن “الدفع أولاً”.










