حول جذور قصة “عائشة البحرية” الحاضرة بقوة في الموروث الثقافي المغربي، وتحولها وضريحَها إلى “حكاية حب أزلي متعدد القصص”، و”ملاذ للباحثات عن الحب ولو في الأحلام”، نشرت الفصلية العلمية البحرينية “الثقافة الشعبية”، في عددها 62، دراسة للباحث أحمد الوارث.
الباحث قال: “للنساء حضور وازن في دفاتر تاريخ المغرب، وإن كن قليلات”، ومنهن “لالة عائشة البحرية”، التي “طبقت شهرتها آفاق المغرب في الماضي والحاضر”، وهي “مصنفة ضمن طائفة الأولياء الصالحين”، و”تروى عنها أخبار تسبح بسيرتها في عالم العجيب والغريب”.
وتابع: “قبرها مزار شهير على الضفة اليمنى من مصب نهر أم الربيع في المحيط الأطلسي قبالة مدينة أزمور، في الضفة المقابلة تذكر الروايات المأثورة عن السلف أن أصل هذه المرأة من بغداد. لذلك حملت أحيانا اسم: لالّة عائشة البغدادية. لكن غلب عليها اسم البحرية لكون قبرها يقع قرب شاطئ البحر”.
عائشة البحرية “كلّما ذكر اسمها إلا وَورد مقرونا باسم ولي مدينة أزمور الشهير أبي شعيب أيوب السارية الذي توفي سنة 1166 ميلادية، أحد كبار صوفية المغرب الأقصى خلال العصر الوسيط، إلى حد يمكن القول إن هذا القَرنَ هو الذي جعل سيرتها تحظى بالقبول”.
ومن الحكايات المتداولة التي أحال عليها الباحث أن هذه الوليّة قد “تعرفت على أبي شعيب السارية شخصيا في بغداد، أثناء مراسم تشييع جنازة صوفي عراقي كبير (…) أعجبت الفتاة بما ظهر على الفتى المغربي من سمات الصلاح، وتعلق قلبها به. لكن الارتباط لم يتم بينهما، لأن أهلها لم يوافقوا على رجل بلغ في سمرته مسحة السواد زوجا، فعاد إلى بلاده وحيدا، لكنه كان يحمل وعدا من أنثاه بألا تتزوج غيره، وعهدا على الوفاء”.
وزاد معلقا: “تبدو الحكاية كما ولو كانت من إبداع مبدع مطلع على التراث، ليس لأن القضية واردة جدا شكلا ومضمونا فحسب، ولكن لأن المصادر، مغربية وعراقية، تستحضر في ترجمتها للشيخ أبي شعيب السارية، المعروف أيضا بلقب الردّاد، سفره إلى بلاد المشرق ولو على بساط العجيب والغريب”.
وقال الباحث إن الأجيال المتعاقبة “لم تتوقف عن سرد الحكاية للخلف، فلم تزدها الأيام إلا حضورا في المجالس الشعبية، على الرغم مما قيل عن افتقارها لأي سند تاريخي. ووجدت فيها العاشقات والباحثات عن حضن دافئ، بالخصوص، بلسما يخفف عنهن حرارة اللوعة، ودأبن على زيارة مرقد البطلة، والطواف بكعبتها عسى أن يتحقق المراد كما تحقق لها بلقاء أبي شعيب”، دون أن تكون بداية الطواف في هذا المقام موثقة.
ووثّق الباحث ما عرفه مقام عائشة البحرية من “شهرة واسعة”، خصوصا “مع حلول العاشر من شهر محرم، الذي يوافق الاحتفال بمناسبة عاشوراء، التي أضحت عيدا لا يماثله عيد في هذا الضريح”، كما فصل في الآداب والطقوس التي صارت مرتبطة بهذه الزيارة، وما تنتظره النساء منها.
وفرق البحث بين “عائشة البحرية البغدادية”، و”عائشة قنديشة” و”عائشة الكونتيسا”، رغم الاختلاف حول: هل الأخيرتان شخصيتان مختلفتان أم واحدة؟ فالكونتيسا “سيرتها متميزة بالحضور القوي لها في أعمال الجهاد إبان الغزو البرتغالي للسواحل المغربية، ومهارتها في اصطياد الضباط البرتغاليين قبل أن تجهز عليهم”؛ وبالتالي هناك فاصل زمني شاسع بين الفترة التي عاش فيها مولاي بوشعيب بطل قصة لالة عائشة البحرية، الموافقة للقرن السادس للهجرة، 12 الميلادي، والفترة التي شهدت أحداث الغزو البرتغالي للمغرب في القرنين التاسع والعاشر للهجرة، أي 15 و16 الميلاديين.
وأضاف: “أما عايشة قنديشة فقد صورها المخيال الشعبي خارج حدود الزمن كله، حتى لقد رفع عنها الطبيعة البشرية، ليقحمها في عالم الجن، يخافها الكبار، ويخيفون بها الصغار، وغدا مجرد التلفظ باسمها يستدعي سلوكا مثيرا، يتطلب البصق في الصدور تفاديا للعنة.”
هسبريس بتصرف