عاجل
16 مارس 2024 على الساعة 00:17

معنينو يحكي قصة “الجهاد البحري” و”قراصنة سلا” و”جمهورية أبي رقراق”

في ثاني حلقات “تاريخنا مع معنينو”، رسم الإعلامي محمد الصديق معنينو خريطة المغرب السياسية بعد وفاة السلطان أحمد المنصور الذهبي سنة 1603، والانقسامات بين أبنائه، وتطلعات الحكم من مختلف أنحاء المغرب، فضلا عن اغتناء البلاد بدفعات أخرى من مكونها الأندلسي، بعد الاضطهاد والتقتيل اللذين لقيهما في بلده الأم إسبانيا عقب قرن من سقوط الأندلس.

وفي هذا البرنامج الرمضاني، الذي يهتم بتاريخ المغرب خلال القرن السابع عشر، قال معنينو إن الزعامات المحلية المغربية التي نافست السلطة المركزية لم تكن انفصالية، بل كانت قيادات تقوت محليا وأرادت توحيد وحكم البلاد في ظل ما عرفه عهدها من ضعف السلطة السعدية.

وتابع معنينو متحدثا عن السملاليين بسوس وزعيمهم أبي حسون بودميعة وعاصمته إيليغ، وإمارته التي كانت تمتد من نواحي تيزنيت إلى شنقيط، وعن العلويين في تافيلالت، وهم فيلاليون سجلماسيون قبر جدهم “مولاي الشريف” بمنطقة كانت بوابة التجارة الصحراوية، ثم الدلائيين الذين كانت زاويتهم في جبال الأطلس المتوسط مركزا دينيا وثقافيا، وكانت لمحمد الحاج الدلائي، وهو ابن شيخها، تطلعات سياسية، كما برزت قوة المجاهد العياشي، وكانت السلطة في منطقة جبالة لغيلان الكرفطي الذي كانت عاصمته هي القصر الكبير، وفي تطوان كان الحكم لعائلة النقسيس، وتعززت السلطة في مراكش في صفوف الشبانات، وهم أصهار السلاطين السعديين.

كما وقعت اصطدامات بين أندلسيي الرباط والأوداية بسبب غنى موارد ميناء أبي رقراق من حيث السلع ومحصلات القرصنة. ونبه معنينو إلى أن الحل بين الأندلسيين المختصمين وسلا كان هو “اللجنة المشتركة” للحكم وتقسيم الحقوق، المسماة “الديوان”، وهي ما أطلق عليه المؤرخون لاحقا تسمية “جمهورية سلا”.

ومن بين ما تناولته الحلقة الموجة الجديدة من الهجرة الأندلسية الجماعية إلى المغرب بعد “100 عام من الصبر”، حيث “حدثت مشكلة إنسانية عويصة لا يريد الإسبان سماعها كثيرا، وهي مضايقة المسلمين بإغلاق المساجد ومنع اللغة العربية، ولو أن تقدم الأندلس وحضارتها ومفكريها كان لثمانية قرون بالعربية. لكنهم أقاموا محاكم التفتيش اليمينية المتطرفة، وكان على المسلمين ترك منازلهم مفتوحة كي يعرف الإسبان ما إن كانوا يصلّون أو يقرؤون القرآن أو يقومون بنشاط ديني، وكانوا يجبرونهم على شرب الماء وأكل الخنزير في رمضان، كما أجبروهم على تعميد أبنائهم في الكنائس، وأغلقوا مقابر المسلمين، ومن اكتشفوا إسلامه كان يعذّب، ومنهم من حرّق، ومن قطّع إربا، ومن أدخلت الأسياخ فيه”.

ولما طرد الموريسكيون بعد قرن من سقوط غرناطة أُخِذ منهم أبناؤهم وأدخلوا الكنائس ليصيروا مسيحيين، وجاء عشرات الآلاف من الأندلسيين إلى المغرب سنة 1609 في عهد فيليب الثالث. وبسبب مرور أزيد من قرن عن منع العربية والإسلام “كان الأندلسيون القادمون يتحدثون لغة أخرى، الإسبانية أكثر من العربية، بثقافة جديدة وعادات جديدة، منها أن النساء كنّ بأشعر مسدلة، ويذهبن للتنزه والسباحة، ويحضرن الطرب الأندلسي ويغنين، وهذا زعزع المجتمع وأعطاه إضافة ودفعة لأنه قدم من بينهم علماء ومهندسون ومغنون وطباخون وخياطون… وكونوا جيوشا سيعتمد عليها السعديون في أيام المنصور وبعده”.

وأثر هذا أيضا في “الجهاد البحري بسلا”، الذي كان شيئا ما خلال القرن السادس عشر، لكن بعد قدوم الأندلسيين وإعمار الأوداية وتزايد ساكنة الرباط صارت سلا قوة كبيرة سماها مؤرخون “قراصنة سلا”، وهم حقيقة من الرباط ومن الأوداية وسلا، فسلا دالة على مصب أبي رقراق.

هؤلاء “المجاهدون البحريون”، الذين سماهم الأوروبيون “قراصنة سلا”، بلغوا الشواطئ الفرنسية والإنجليزية والإيرلندية والإيسلندية، ورسموا في القرن السابع عشر “ازدهار البحرية المغربية”، علما أن ذلك العهد، وفق ما ذكره معنينو، كانت فيه “للدول القوية قرصنة قوية، وللدول الضعيفة قرصنة ضعيفة”، فبدأت الدول الأوروبية تعبر عن مخاوفها من الاستيلاء على سفنها وسلعها ومواطنيها، وتشغيل أسراها في أعمال البناء والحمل والحدادة. ونتجت عن ذلك تهديدات ومفاوضات، سيتطرق إليها معنينو في الحلقات المقبلة التي ستعرضها جريدة هسبريس الإلكترونية.

هسبريس بتصرف