البحر أنفو – 21/07/2025 “السرّ الأكثر حراسة في البحر الأبيض المتوسط”.. غابات مرجانية في عمق بحر إيجه تحصل على حماية رسمية متابعة:
في خطوة بيئية تُعدّ مفصلية، أعلنت الحكومة اليونانية مؤخرًا تصنيف جزء كبير من الشعاب المرجانية في بحر إيجه كمناطق بحرية محمية، واضعة بذلك حدًّا لعقود من التهميش والإهمال لهذا النظام البيئي الفريد، الذي لطالما وُصف بـ”الغابات البحرية للبحر الأبيض المتوسط”.
عند أعماق تتراوح بين 70 و250 مترًا، تتجلّى في قلب بحر إيجه قبالة جزر فورني، مناظر طبيعية مبهرة أشبه بعوالم سريالية: غابات من المرجان الأحمر تتفرع كأشجار خرافية، إسفنجيات صفراء بلون الزعفران، طحالب خضراء وأحجار حيّة تنبض بالتنوّع، في مشهد تصقله إنارة زرقاء باهتة تنفذ من سطح الماء، فتضفي عليه طابعًا ساحرًا وغامضًا.
هذه الشعاب المرجانية، المعروفة باسم “المرجانيات الصخرية” (Coralligènes)، تُعد من أغنى المواطن البيئية من حيث التنوع البيولوجي في البحر الأبيض المتوسط. ويقدّر العلماء أن ما يزيد عن 1800 نوع من الكائنات البحرية ترتبط بهذا الموطن الفريد، بما في ذلك فرس البحر، وأسماك الهامور، والسلطعونات، والنجوم البحرية، والرّخويات الملونة، وغيرها من الكائنات التي تنسج شبكة بيئية شديدة التعقيد والتداخل.

وتقول الدكتورة أناستاسيا ميليو، المديرة العلمية لمنظمة “أرخبيلوس” البيئية غير الحكومية: «نُطلق على هذه المواطن البحرية اسم “السرّ الأكثر حراسة في البحر الأبيض المتوسط”، لما تختزنه من تنوّع هائل لا يزال إلى حدّ كبير مجهولًا». وتضيف: «هي مناطق بالغة الحساسية والإنتاجية، ورغم ذلك ظلّت لعقود عرضة للتدمير بسبب أنشطة الصيد غير المستدامة، خصوصًا الصيد بشباك الجر».
لكن اليوم، وبعد أكثر من خمسة عشر عامًا من العمل البحثي والميداني الذي شاركت فيه منظمات علمية وبيئية مرموقة مثل “أوشيانا”، وجامعة إسيكس البريطانية، و”أندر ذا بول”، وصندوق “بيور أوشن” الفرنسي، نجحت الجهود في إقناع السلطات اليونانية بإقرار حماية رسمية لهذه المناطق.
القرار شمل منطقة بحرية واسعة تبلغ مساحتها 430 كيلومترًا مربعًا، أي ما يعادل أكثر من 64 ألف ملعب كرة قدم. ويمنع القرار الجديد بشكل صارم الصيد باستخدام شباك الجر في هذه المنطقة، لما تلحقه هذه الممارسة من أضرار كارثية على الشعاب المرجانية، التي لا تنمو إلا ببضع مليمترات سنويًا، ما يجعل تعافيها الطبيعي شبه مستحيل.
المبادرة لاقت دعمًا كبيرًا من المجتمعات المحلية، حيث شارك الصيادون أنفسهم في النقاشات، وأبدوا استعدادهم لاعتماد وسائل صيد أكثر استدامة، في بادرة تنم عن وعي بيئي متزايد، تعزّزه حملات توعوية موجّهة للغواصين، والمهنيين البحريين، والسلطات المحلية.

من جانبه، يرى دافيد سوسمان، رئيس منظمة “بيور أوشن”، أن هذا القرار يُشكّل تحولًا تاريخيًا في جهود حماية البحر الأبيض المتوسط، وقد يكون “بداية مسار جديد نحو إحداث سلسلة من المحميات البحرية الأخرى في المنطقة”.
أما الباحث والمستكشف البحري غيسلان باردو، من منظمة “أندر ذا بول”، فقد شدّد على أهمية تسليط الضوء البصري على ما يحدث في الأعماق: «المشكلة الأساسية مع المحيطات هي أننا لا نراها. العمق يخلق مسافة بيننا وبين هذه العوالم، وبالتالي فإن إيصال صور دقيقة وجذّابة من هذه المناطق يُعدّ مفتاحًا أساسيًا في رفع الوعي الجماعي بضرورة حمايتها».
وفي ظل التغيرات المناخية المتسارعة، والضغوط البشرية المتزايدة على الأنظمة البحرية، يعتبر العلماء أن المناطق المسماة بـ”المنطقة المتوسطة الإضاءة” (30 إلى 150 مترًا عمقًا)، والتي تنتمي إليها هذه الشعاب، قد تشكل ملاذًا مهمًا للكائنات البحرية المهددة، وبنكًا جينيًا محتملًا لاستعادة الأنظمة الإيكولوجية المتدهورة في السطح.
هكذا، وسط التحديات البيئية والسياسية التي تشهدها المنطقة، تأتي هذه الخطوة كرسالة أمل، ودليل ملموس على أن التنسيق بين العلم، والمجتمع، والسياسات العمومية، قادر على صناعة الفارق في مستقبل كوكبنا الأزرق.
إ.ف صحفية متدربة