عاجل
3 أغسطس 2025 على الساعة 23:14

تفاصيل أكبر عملية نصب بميناء طانطان..كيف سقط المكتب الوطني للصيد في فخ محتال ذكي، أو حين يصبح التوقيت أداة للجريمة ؟

البحر أنفو – 03/08/2025 طانطان..الاستلاء على قيمة مالية ناهزت 111 مليون سنتيم، وفضيحة نصب تهز المكتب الوطني للصيد البحري متابعةفي واحدة من أخطر قضايا الاحتيال التي عرفها قطاع الصيد البحري بالمغرب، تفجرت مؤخراً فضيحة مالية مدوّية بميناء الوطية بطانطان، بعدما تبيّن أن أحد تجار السمك قام بعملية نصب محكمة على المكتب الوطني للصيد البحري، قدرت قيمتها الإجمالية بـ111 مليون سنتيم، عبر ثلاث عمليات شراء متتالية تمت بمكر محاسبي مدروس.. كان كل شيء يسير وفق المعتاد. صفقات تُعقد، أسماك تُوزن، وشيكات تُحرر.

لم يكن أحد ليتوقع أن هذا الروتين الصارم سينهار في ظرف أربعة أيام فقط، على يد تاجر واحد نسج خيوط أكبر عملية نصب مالي يشهدها المكتب الوطني للصيد البحري بالمنطقة، مستغلًا ثغرات المساطر، وغفلة التوقيت، وهدوء العيد الوطني.

 كانت البداية بتحركات دقيقة في توقيت حساس الجمعة 25 يوليوز 2025، دخل التاجر المعروف الفضاء التجاري للبيع الأول للأسماك مسلّحًا بشيكات جاهزة. لم تكن هذه أول مرة يتعامل فيها مع السوق لكن بقيم مالية لا تتعدى 20 ألف درهم على أقصى تقدير، لكن حركته هذه المرة كانت أكثر اندفاعًا، حيث أنه في يومين فقط ( الجمعة 25 و السبت 26 يوليوز )، فعل عمليات شراء بلغت 62 مليون سنتيم.

و عاد نفس التاجر بصفقة جديدة يوم الاثنين 28 يوليوز بلغت 42 مليون سنتيم، ليضيف إليها صفقة أخيرة يوم الثلاثاء بقيمة 7 ملايين سنتيم. ما مجموعه 111 مليون سنتيم قيمة المشتريات من الأسماك.

و جرت العادة أن يقوم محصل المكتب الوطني للصيد البحري بطانطان، صباح كل يوم إثنين بإيداع شيكات المعاملات التجارية لتجار السمك لدى المؤسسة البنكية المعتمدة. وحسب المساطر المعمول بها، تقوم هذه الأخيرة بدراسة الوضعيات المالية للتجار، وتُفعّل عمليات الاقتطاع من الحسابات الشخصية في اليوم الموالي، على أن ترسل إشعارًا رسميًا للمكتب بشأن الشيكات غير المؤداة خلال يومين. لكن هذه المرة، سارت الرياح بما تم التخطيط له في سيناريو نصب محبوك.

تأخير “مصيري”: مناسبة العيد الوطني منحت المحتال مهلة ذهبية.

صادف يوم الأربعاء عطلة رسمية بمناسبة عيد وطني. ما يعني أن إشعار البنك بشأن الشيكات دون مؤونة لن يصل إلى إدارة المكتب إلا صباح الخميس. أربع وعشرون ساعة إضافية كانت كافية ليختفي التاجر، بعد أن أنهى تصريف حمولة السمك لأطراف أخرى، بعيدًا عن المسارات الرسمية المعتادة، متفاديًا التعامل مباشرة مع الوحدات الصناعية الكبرى، ومفضّلًا البيع المباشر والنقدي. المعني استغل الثقة المفرطة التي تحيط ببعض الأسماء “الثقيلة” في سوق السمك بطانطان، وغياب أي رقابة لحظية على ملاءته المالية.

و بمراجعة بسيطة لكرونوليجيا الوقائع و بتحليل منطقي لوتيرة الشراء، وتوقيت المعاملات، وطريقة تصريف الأسماك، يكشف بما لا يدع مجالًا للشك أن العملية كانت ربما مدبرة بعناية فائقة، ولم تكن وليدة الصدفة.إذ بعدما أديع الخبر بين تجار السمك حتى قبل يوم الخميس أن كل شيكات المعني بالأمر هي دون مؤونة أو أي رصيد، فسارعت الجهات المسؤولة إلى الوساطات من أجل دفع المعني بالأمر إلى إرجاع ما بذمته و درء الفضيحة لكن كل المساعي واجهت تعنت ورفض ( صاحب الفعلة ).

الواقعة خلّفت حالة ارتباك وذهول داخل مؤسسة المكتب الوطني للصيد البحري وبين الأوساط المهنية، وطرحت علامات استفهام خطيرة حول آليات المراقبة والتحصيل، ومحدودية النظام المعتمد في تتبع السيولة البنكية الخاصة بالتجار، بل وأثارت تساؤلات حول إن كانت هناك تواطؤات داخلية محتملة. حد التساؤل هل وقع المكتب الوطني للصيد البحري بالوطية ضحية خطة محبوكة ؟

تشير أغلب التحليلات الأولية إلى أن العملية لم تكن اعتباطية. التاجر استغل ثلاث ثغرات رئيسية : فجوة زمنية بين إيداع الشيكات وتوصل المكتب بإشعار عدم الأداء. تزامن العملية مع العيد الوطني، مما منح تأخيرًا قانونيًا طبيعيًا. تصريف سريع وذكي للبضاعة، بدون المرور عبر المسارات الصناعية التي تترك آثارًا مالية ومحاسباتية واضحة.

قضية طانطان ليست فقط حادثة نصب مالي، بل اختبار حقيقي لمتانة أنظمة الحوكمة داخل موانئ الصيد البحري، وناقوس خطر لمؤسسة حيوية تُشرف على قطاع يُدرّ الملايين يوميًا. وفيما لا يزال التاجر متوار عن الأنظار تبقى الحقيقة الوحيدة المؤكدة: رجل واحد دأب على شراء حوت السوق و القشرة فقط بعمليات مالية بسيطة، في أربعة أيام، قاد عملية نصب بـ 111 مليون سنتيم قيمة مالية لمشتريات من الأخطبوط و السيبيا و القليل من أسماك السوق.. من قلب مؤسسة رسمية، وخرج منها بلا أثر.

 وفي انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات الجارية، تبقى هذه الحادثة ناقوس خطر يدق بشدة، داعياً إلى مراجعة عاجلة لمنظومة الأداء المالي بالموانئ المغربية، وتشديد إجراءات المراقبة والتدقيق، حتى لا تتحول الأسواق السمكية إلى ساحة مفتوحة أمام شبكات النصب والاحتيال المالي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *