البحر أنفو – 04/09/2025 السويلكة.. حينما يتحول الصيد التقليدي إلى تهديد استراتيجي للمصايد المغربية متابعة: منذ عقود، ظل الصيد التقليدي يشكل أحد الأعمدة الرئيسية للقطاع البحري المغربي، باعتباره مصدر رزق لآلاف الأسر الساحلية ورافعة اجتماعية في مناطق تعاني من محدودية البدائل الاقتصادية. لكن في السنوات الأخيرة، برزت ممارسات جديدة تهدد ليس فقط التوازن البيئي للمصايد، بل أيضاً مستقبل الصيد التقليدي نفسه. وأخطر هذه الممارسات يتمثل في استعمال “السويلكة”، وهي أداة صيد غير قانونية تُستخدم على نطاق واسع لاستهداف السردين وصغار الأسماك السطحية حسب الدكتور محمد الناجي الأستاد الباحث بمعهد الحسن الثاني للزراعة و البيطرة رئيس شعبة الصيد و تربية الأحياء المائية وخبير لدى منظمة الفاو.
تناقض صارخ بين النص القانوني والواقع
يمنع القانون المغربي صراحةً على قوارب الصيد التقليدي استهداف السردين، باعتباره نشاطاً مخصصاً للصيد الساحلي والصيد الصناعي. غير أن الواقع الميداني يشي بعكس ذلك، حيث تحولت آلاف “الفلايك” إلى صيد السردين باستخدام “السويلكة”، رغم أن القانون لا يعترف لهم بهذا الحق.
هذا التناقض بين النص والواقع يطرح سؤالاً جوهرياً: هل المطلوب تعديل القانون ليتماشى مع ما يحدث فعلياً، أم فرض احترام القانون عبر مراقبة صارمة؟
رغم أن التشريعات البحرية المغربية جاءت لتقنين طرق الصيد وحماية الموارد، إلا أن قوارب الصيد التقليدي لم تُمنح في الأصل تراخيص رسمية لاستعمال شباك “السويلكة”. غير أن الوزارة الوصية وجدت نفسها أمام معضلة اجتماعية، خصوصاً مع وجود فئة من البحارة الذين اعتمدوا هذه الأداة في رزقهم اليومي، ما جعلها تُبقي مؤقتاً على نشاطهم في ذلك الوقت كإجراء توافقي. لكن هذه المقاربة التي رُوّج لها كحل اجتماعي، لم تُثبت نجاعتها أمام التدهور المستمر لمخزون الأسماك السطحية الصغيرة، وعلى رأسها السردين.
جذور الأزمة: من تراجع المخزون إلى المقاربة الاجتماعية
أزمة “السويلكة” لا يمكن فصلها عن سياق أوسع عاشه قطاع الصيد التقليدي. فمع تراجع الموارد السمكية الأخرى التي كانت تمثل أساس نشاط هذه القوارب (مثل الأخطبوط وبعض الأنواع البيضاء)، وجد البحارة أنفسهم في مواجهة فراغ اقتصادي دفعهم إلى استهداف السردين كخيار بديل.
فبدل معالجة جذور الأزمة عبر البحث عن حلول متوازنة، لجأت الوزارة في مراحل سابقة إلى مقاربة اجتماعية من خلال رفع سعة القوارب من 2 طن إلى 3 أطنان، ما أدى إلى إدماج حوالي 7000 قارب إضافي ضمن أسطول يضم أصلاً نحو 17 ألف قارب على المستوى الوطني النتيجة: ارتفاع مجهود الصيد بما يقارب 30%، وهو ما ساهم في تفاقم الضغط على المصايد.
هذه القرارات، وإن كان هدفها الحفاظ على السلم الاجتماعي، أفرزت نتائج عكسية، إذ شجعت التوسع في نشاط غير منظم يستنزف الموارد البحرية بطريقة غير قابلة للاستدامة.

خطورة “السويلكة”: أداة تدمير بيولوجي
يكمن الخطر الحقيقي لـ”السويلكة” في كونها وسيلة صيد غير انتقائية تستهدف تجمعات الأسماك الصغيرة داخل مناطق التوالد والنمو. وبذلك، فهي لا تقتصر على صيد السردين التجاري فحسب، بل تلتهم الأجيال الجديدة من الأسماك قبل بلوغها الحجم القانوني، ما يؤدي إلى قطع دورة التجدد الطبيعي للمخزون السمكي.
الصيد بشباك السويلكة يُعتبر من بين أخطر الممارسات المدمرة للثروة البحرية، حيث يتم في مناطق قريبة جداً من الشاطئ، وهي فضاءات حيوية لتكاثر الأسماك وتواجد يرقاتها وصغارها. هذا يعني أن العملية لا تستهدف فقط الأسماك البالغة الجاهزة للتسويق، بل تُجهز أيضاً على الأجيال القادمة، وهو ما يؤدي إلى خلل خطير في التوازن البيئي للمصايد. ومع استمرار هذه الأنشطة، يصبح الحديث عن استدامة المصايد مجرد شعار بعيد عن الواقع.
تؤكد تقارير علمية أن الاستمرار في اعتماد السويلكة، ولو بشكل محدود، يُسرّع من وتيرة استنزاف السردين وغيره من الأصناف السطحية، التي تُشكل العمود الفقري للصيد الساحلي بالمغرب. وإذا لم يتم تدارك الوضع عبر تفعيل القوانين بشكل صارم، وتشجيع بدائل أقل ضرراً للبحارة المعنيين، فإن المصيدة الأطلسية الجنوبية مرشحة لمواجهة أزمة غير مسبوقة. وهو ما قد يُفضي في النهاية إلى فقدان آلاف فرص الشغل وتراجع مداخيل الاقتصاد الأزرق للمملكة.
هذه الظاهرة لا تهدد فقط التوازن البيئي للمحيطات، بل تنذر أيضاً بعواقب وخيمة على الأمن الغذائي الوطني، لاسيما وأن السردين يمثل المصدر البروتيني الأرخص للمغاربة، كما يشكل مادة أساسية في سلسلة الصناعات التحويلية المرتبطة بالصيد.

أبعاد اجتماعية واقتصادية متشابكة
ورغم أن استعمال “السويلكة” يعتبر في جوهره خرقاً للقانون، إلا أنه يجد مبرره الاجتماعي في غياب بدائل اقتصادية للبحارة التقليديين. فقد أضيفت آلاف القوارب إلى الأسطول دون استراتيجية مواكبة حقيقية، ودون إدماج تدريجي في منظومة الصيد المنظم.
هنا يظهر التناقض الكبير: كيف يمكن للمشرع أن يمنع صيد السردين من طرف القوارب التقليدية، وفي نفس الوقت يغض الطرف عن واقع يفرض نفسه ميدانياً بدعوى الحفاظ على السلم الاجتماعي؟
الحاجة إلى إعادة رسم السياسات العمومية
يرى الخبير في قطاع الصيد والأستاذ الباحث بمعهد الحسن الثاني للبيطرة والزراعة، الدكتور محمد الناجي، أن معالجة هذه الأزمة تتطلب إعادة التفكير جذرياً في السياسات القطاعية. الحل لا يكمن في التساهل مع ممارسات غير قانونية، بل في بناء مقاربة جديدة تقوم على:
إدماج القوارب التقليدية ضمن وحدات أكبر وأكثر تنظيماً، بما يسمح باستيعاب اليد العاملة في ظروف مهنية مقننة.
إعادة هيكلة منظومة الصيد التقليدي وفق منطق الاستدامة، بدل الاكتفاء بحلول ترقيعية ظرفية.
تشجيع بدائل اقتصادية مثل تربية الأحياء المائية والأنشطة البحرية الموازية.
تشديد المراقبة الميدانية لضمان احترام القوانين، والقطع مع منطق التساهل الذي يقوّض هيبة القانون.
ما بين القانون والواقع
إن استمرار ظاهرة “السويلكة” يكشف عن هشاشة في تدبير الصيد التقليدي، وعن فجوة بين السياسات المعلنة والواقع الميداني. فالقانون يمنع، لكن الممارسة تشرعن بحكم الأمر الواقع، والنتيجة استنزاف غير مسبوق للثروة السمكية وتهديد مباشر لمستقبل الصيد البحري في المغرب.
التحدي اليوم لا يكمن فقط في حماية الموارد البحرية، بل في إيجاد توازن دقيق بين العدالة الاجتماعية للمهنيين وحماية المخزون السمكي للأجيال القادمة. فإما أن يظل الصيد التقليدي رمزاً للتنمية المحلية المستدامة، أو يتحول بفعل “السويلكة” إلى عامل تهديد استراتيجي للأمن البحري الوطني.