البحر أنفو – 19/10/2025 “بريم الشارج“.. منحة رد الاعتبار التي تحوّلت إلى مصدر معاناة لبحارة السردين ببوجدور متابعة:
بعد سنوات طويلة من الانتظار، وبعد مطالب متكررة امتدت على مدى عقود من العمل الشاق وسط الأمواج، رأى بحارة مراكب صيد السردين بميناء بوجدور في منحة “الشارج” أو ما يُعرف بمنحة التفريغ بصيص أملٍ طال انتظاره. منحةٌ كان يُفترض أن تُعيد الاعتبار إلى فئةٍ ظلت على الدوام في قلب المجهود البحري، تشتغل في صمتٍ، وتُنتج في صمتٍ، وتتحمل في صمتٍ كل تقلبات البحر وقسوته.
لكن سرعان ما تحوّل هذا الأمل إلى خيبة، بعدما عبّر البحارة عن استيائهم العميق من عدم توصلهم بمستحقاتهم المالية المرتبطة بهذه المنحة، مُحمّلين مجهزي المراكب كامل المسؤولية عن التأخير الذي أثقل كاهلهم، وجعلهم يعيشون أوضاعا اجتماعية ومادية متوترة.
لقد كان “بريم الشارج” أكثر من مجرد تعويض مالي؛ كان بمثابة اعتراف رمزي بجهد البحّار، الذي لا يكتفي بالمغامرة في مهنة الموت أو جمع الأسماك، بل يواصل عمله داخل الميناء في عملية التفريغ، وهي من أصعب المراحل وأكثرها إرهاقاً، لما تتطلبه من دقة ومجهود عضلي مضاعف.
منحةٌ جاءت لتقول للبحار: “عملك مقدّر، وتعبك محسوب”، لكنها اليوم أصبحت في كثير من الحالات ورقة ابتزاز أو ملفاً مؤجلاً لا أحد يعرف متى يُفتح ومتى يُغلق.
فكيف يُعقل يتساءل البحارة أن تُصرف المنحة في بعض المراكب بشكل عادي، بينما تُجمّد في مراكب أخرى لأشهر طويلة؟ وكيف يُمكن لمجهّزٍ أن يحتفظ بحقٍّ لا يملكه ويماطل في تصفيته، في وقتٍ ينتظر فيه البحار تلك المستحقات لتغطية حاجيات أسرته أو أداء ديونه المتراكمة؟
إنها مفارقة صارخة تُعيد إلى الواجهة سؤال العدالة المهنية في قطاع الصيد الساحلي.
ويطالب بحارة بوجدور اليوم بتدخلٍ عاجل لوضع حدٍّ لهذا العبث، وضمان استفادتهم من حقوقهم كاملة دون تأخير أو انتقائية. كما يناشدون مندوبية الصيد البحري بالتدخل الحازم، ليس فقط في مسألة صرف المنح، بل كذلك في تنظيم أوقات الإبحار والخروج إلى البحر، حتى لا يبقوا رهائن لمزاج المجهزين أو لتفاوتات التوقيت التي تحرمهم من أبسط حقوقهم في الراحة والالتزامات الاجتماعية.
ويطالبون بتوحيد ساعة خروج المراكب لتكون على الساعة الثامنة مساءً يوم الجمعة، والسادسة مساءً في باقي الأيام، على غرار ما هو معمول به في ميناءي العيون والداخلة، تحقيقا للإنصاف وتكافؤ الفرص.
إنّ ما يقع اليوم في ميناء بوجدور يُعيد النقاش حول علاقة البحّار بالمجهّز، وحول غياب الشفافية في تدبير المستحقات المالية التي يفترض أن تُوزّع وفق معايير واضحة وعقود شفافة. فـ”بريم الشارج” لم يأت من فراغ، بل وُضع ليُكافئ البحّار على مجهودٍ إضافي، وليعيد له جزءا من الاعتبار المهني والإنساني الذي افتقده لسنوات.
لكن إلى متى سيظل هذا الحق الملموس عالقاً في مكاتب البعض أو رهين حسابات ضيقة؟
إلى متى سيُطالب البحارة بما هو في الأصل حقٌّ مشروع لهم؟
وإلى متى سيبقى المجهّز هو الخصم والحكم في آنٍ واحد؟
لقد آن الأوان لإعادة ترتيب الأوراق داخل قطاع الصيد الساحلي، وجعل البحّار في قلب أي إصلاح حقيقي، لأنه ببساطة هو من يواجه الموج والريح، وهو من يُنتج الثروة البحرية التي يعيش منها الجميع.
وإذا كان “بريم الشارج” عنواناً لردّ الاعتبار، فليكن كذلك رمزاً للعدالة المهنية التي تستحقها هذه الفئة المنسية، لا أن يتحول إلى مرآة أخرى للظلم والتهميش داخل الموانئ.