البحر أنفو – 28/10/2025 الصناديق البلاستيكية الموحدة… مشروع ملكي عالق بين الفشل والتواطؤ
منذ أن وُضع مشروع الصناديق البلاستيكية الموحدة ضمن الرؤية الملكية لتحديث قطاع الصيد البحري وتثمين المنتوج الوطني، كان الأمل كبيراً في أن يشكّل هذا الورش تحوّلاً حقيقياً نحو الحكامة والجودة والشفافية في تسويق الأسماك. لكن بعد سنوات من التجريب والانتظار، يبدو أن الحلم تعثّر في منتصف الطريق، وأن المشروع الملكي يقف اليوم في منطقة رمادية بين الفشل المقنّع والتواطؤ الصامت.
مشروع نبيل.. ومآل غامض
كان الهدف واضحاً منذ البداية: توحيد الصناديق البلاستيكية المستعملة في تفريغ ونقل الأسماك لضمان سلامة المنتوج، وتحسين التتبع، ووضع حد للفوضى التي كانت تهيمن على السوق. غير أن الواقع اليوم يكشف عن مفارقة صارخة؛ فبعد اعتماد نظام البيع بالدلالة لأسماك السردين، اصطدم التجار والمجهزون بإكراه عملي خطير: عدم إمكانية نقل الأسماك إلا بعد إفراغها من صناديق ليست في ملكهم، بل في ملكية تجار زوّدوا بها المراكب طيلة السنوات الماضية.
عملية إعادة التعبئة في صناديق أخرى ليست فقط عبئاً لوجستيكياً، بل ضربة موجعة للجودة والتثمين، وتراجع واضح عن كل الأهداف التي من أجلها وُلد المشروع.
اختلالات وتواطؤات: من المستفيد ؟
الملف اليوم لم يعد تقنياً ولا تنظيمياً فقط، بل أصبح قضية مساءلة ومحاسبة. ملايين الصناديق البلاستيكية اختفت أو ضاعت أو استُعملت خارج إطارها القانوني. هناك من اغتنى من وراء هذا الورش، وهناك من نسج خيوط إفشاله عمداً حتى يفرض صناديقه الخاصة في السوق، ويمسك بخيوط التحكم في المراكب والمنتوج في آن واحد.
تساؤلات كثيرة تطرح نفسها بإلحاح :
من المستفيد من تعطيل المشروع الملكي؟
من تلاعب في تسجيل الصناديق بأسماء مراكب مشطب عليها أو تجار غادروا الحياة؟
ومن سهّل تمرير هذه التجاوزات دون مساءلة أو تدقيق؟
إنها أسئلة لم تعد قابلة للتجاهل، خصوصاً في وقت تُرفع فيه شعارات الحكامة والشفافية والمحاسبة.

بين المقترحات الجديدة ومطلب المحاسبة
اليوم، تستعد الإدارة لعقد اجتماع جديد يجمع تمثيليات المهنيين من مجهزين وتجار وإدارة المكتب الوطني للصيد البحري، في محاولة لإيجاد مخرج للأزمة. لكن قبل الحديث عن “الحلول الجديدة” و”الصيغ البديلة”، لا بد من نقطة نظام واضحة:
لا إصلاح بلا محاسبة، ولا مصالحة مع الفشل دون كشف المتورطين في إفشال المشروع الملكي.
اقتراح أن تشتري المراكب صناديقها الخاصة ليس سوى ترحيل للأزمة من دون معالجة أصل الداء. لأن الصندوق الموحد لم يكن مجرد وعاء بلاستيكي، بل رمزاً لحكامة السوق وشفافية المعاملات. أما ترك الملف في يد من تلاعب به بالأمس، فليس سوى مكافأة على الفشل.
نعم للدلالة.. ولكن بشروط العدالة
البيع بالدلالة تجربة تستحق أن تنجح، لأنها تمثل روح الشفافية والمنافسة في القطاع. لكنها تحتاج إلى أرضية نزيهة، وفي مقدمتها توفير الصناديق الموحدة التي تضمن المساواة بين الجميع، وتحمي المنتوج من الاستغلال والتلاعب.
ما يعيشه القطاع اليوم هو اختبار حقيقي لقدرة الإدارة على تحمل مسؤولياتها، ولقدرة المهنيين على الدفاع عن مشروع ملكي تم اختطافه في غفلة من الزمن. فإما أن يُفتح الملف بشجاعة، ويُكشف من أفسده، وإما أن نبقى نعيد تعبئة الأوهام في صناديق فارغة.