البحر أنفو – 07/11/2025 حادثة انقلاب قارب الصيد التقليدي العميرية بسواحل آسفي تعيد من جديد إلى الواجهة واحد من أخطر الملفات المسكوت عنها في قطاع الصيد التقليدي… قوارب “السويلكة”. هذه القوارب التي تفتقد لأبسط شروط السلامة البحرية وتستمر في الإبحار يوميا رغم الخطر المحقق على الأرواح البشرية وعلى الثروة السمكية معاً.
الحادث الأخير ليس “واقعة عرضية” ولا “استثناء”، بل نتيجة لنموذج قارب لا يجب أن يستمر. قوارب صغيرة، خفيفة، هشّة، تعتمد على إطارات مطاطية في حماية بدنها، وتضطر لاستقبال أطقم تتجاوز في الغالب خمسة بحارة. ومع اقترابها الدائم من اليابسة، يكفي موج واحد مرتفع أو انزلاق مفاجئ لتتحول الرحلة البحرية القصيرة إلى مأساة حقيقية.
الخطورة لا تتوقف عند سلامة البحارة فقط، بل تمتد إلى النظام البيولوجي الساحلي. فالصيد الممارس بهذا النوع من القوارب يتم في مناطق القرب الساحلي حيث تتواجد الأحجام الصغيرة من الأسماك السطحية، ما يعني استنزاف موارد في مرحلة نمو مبكرة وتشويه التوازن البيئي على المدى المتوسط.
لذلك، فإن هذا الحادث يجب أن يكون نقطة توقف، لا مجرد تسجيل “واقعة” في سجل حوادث البحر. كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري مطالبة اليوم، وبشكل مستعجل، بإعادة النظر جذرياً في ملف قوارب “السويلكة”، ووضع بدائل حقيقية وآمنة للصيد التقليدي تتماشى مع حماية الأرواح البشرية والموارد البحرية معاً.
لقد أثبت الواقع أن “السويلكة” لم تعد قارباً تقليدياً بسيطاً… بل قنبلة صامتة. وأي تأجيل جديد في اتخاذ القرار سيعني ببساطة انتظار الضحية القادمة.هذا الملف يحتاج إصلاح شجاع، وتدخل تنظيمي ملزم، واحترام مبدأ سلامة البحارة قبل أي شيء آخر. غير أن الخطورة الأكبر في هذا الملف، هي أنه أصبح “مألوف” ومعتاد داخل المناطق الساحلية، وكأن الحوادث أصبحت جزء من دورة الصيد اليومية، وهذا أخطر من الحادث نفسه.
التطبيع مع الخطر، ومع غياب شروط السلامة، ومع المغامرة بأرواح الشباب الباحثين عن لقمة العيش، هو في حد ذاته انهيار ثقافة أمان يجب أن يكون القطاع ملزم بإعادة بنائها. لأن البحر لا يرحم، ولا يعطي فرصة ثانية لمن يغامر بلا حماية. وهنا مسؤولية الدولة والمؤسسات المهنية والتمثيليات هي إعادة ترسيخ معيار واحد: لا صيد خارج إطار السلامة… ولا شرعية لقارب إن لم يضمن حياة من يركبه. ثم هناك سؤال لا يجب أن يفلت من النقاش العمومي: هل الاستمرار في السماح لهذا النمط من القوارب مستقبلا، يعتبر نوعا من إشراك الدولة نفسها في المخاطرة؟
فإذا كانت الوزارة تعلم مسبقا أن هذه القوارب تفتقد لأساسيات السلامة، وأن عدد البحارة يفوق طاقتها، وأن مناطق نشاطها تقطع الممرات الساحلية الحساسة بيولوجيا، وأن احتمال الغرق مرتفع، فكيف يمكن تفسير عدم الحسم؟ هذا ليس ملف تقني، بل ملف قرار. وهذا هو الوقت المناسب لتحديد توجه واضح: حماية الأرواح قبل الإنتاج، وتحويل نمط القوارب إلى نموذج حديث، مضبوط، آمن، ومسؤول بيئيا.
اليوم، صار ضروريا إطلاق ورش بديل واقعي للصيد التقليدي، يمنح البحار قارب آمن، معتمد، خاضع للمعايير التقنية والمراقبة، بدل الاستمرار في ترقيع الخطر. ويمكن للوزارة، بشراكة مع المهنيين وجمعيات الصيد، فتح مسار تمويل تحويلي نحو نماذج قوارب محسنة، وتعويض تدريجي للسويلكة، بما يضمن حوافز للإقلاع الحضاري عن هذا النمط القديم. هذا التحول لن يحمي فقط أرواح البحارة، بل سيحمي أيضا الموارد السمكية، وسيعيد الاعتبار لقطاع الصيد التقليدي باعتباره رافعة اقتصادية نظيفة لا تهدد البيئة ولا البشر. فالبديل ليس خيارا ثانويا… بل ضرورة أمن بحري وبيئي مستعجلة.