عاجل
16 نوفمبر 2025 على الساعة 17:44

بوجدور في عين العاصفة.. ليلة الفوضى داخل الميناء: لجنة مراقبة بلا قانون و300 صندوق لشرعنة التهريب “أطنان من الأسماك تخرج نحو المجهول

البحر – 16/11/2025 بوجدور… ليلة الفوضى في الميناء: لجنة للمراقبة بلا قانون، و300 صندوق سمك لشرعنة “التهريب”

في مشهد عبثي لا يشبه إلا نفسه، عاش ميناء بوجدور ليلة السبت واحداً من أكثر الأحداث إثارة للجدل، بعدما قرر رجل سلطة تشكيل لجنة لمراقبة أنشطة الصيد البحري، ووضع حاجز عند بوابة الخروج لمراجعة الوثائق والتأكد من قانونية المصطادات. خطوة ظاهرها حماية الثروة البحرية… لكن باطنها حمل أسئلة صادمة عن الغايات الحقيقية من هذه “الحملة”.

في ليلة السبت عاش ميناء بوجدور واحدة من أكثر الوقائع إثارة للجدل، بعدما قرر رجل سلطة تشكيل لجنة لمراقبة أنشطة الصيد البحري ووضع حاجز عند بوابة الخروج لمراجعة وثائق الشحن والتأكد من قانونية المصطادات. خطوة كان يُنتظر منها فرض الانضباط داخل الميناء وضبط المنافذ، لكنها تحولت بسرعة إلى ممارسة ترقيعية تطرح تساؤلات خطيرة حول الهدف الحقيقي من هذه العملية.

فبعد منتصف الليل، وبينما كانت أطر مندوبية الصيد البحري تقوم بعملها بشكل مهني ودقيق داخل الميناء، اقترح رجل السلطة على أصحاب وسائل النقل غير المهيكلة التخلي عن بضعة صناديق؛ صندوقين لأصحاب التريبورتورات وثلاثة للهوندات وخمسة للكانطيرات، ليجمع ما يقارب ثلاثمائة صندوق لوضعها بشكل مؤقت بمكان الحجز لدى المكتب الوطني للصيد البحري مع تحرير محضر لإضفاء صبغة قانونية على العملية، والسماح فيه للكميات الأكبر والأهم بالخروج دون أي وثائق قانونية، وهو ما يشكل خرقاً واضحاً وصارخاً للقوانين المنظمة للصيد البحري.

ورغم محاولة المسؤول تقديم هذه الخطوة كدليل على “تفعيل القانون”، فإن أطر مندوبية الصيد البحري رفضت الحل الترقيعي جملة و تفصيلا، كما رفضت مصالح المكتب الوطني للصيد البحري تسلم الصناديق الثلاثمائة معتبرة أن العملية غير سليمة قانونياً ولا تمت لأي مسطرة رسمية بصلة. فالقانون واضح في ما يخص الأسماك السطحية المهربة: يجب أن تبقى داخل وسائل النقل إلى حين إتلافها، ولا تُودع في المحجز على خلاف الأصناف السمكية الأخرى. هذا الرفض كشف أن الاقتراح المقدم لم يكن سوى محاولة لذر الرماد في العيون وإظهار تدخل “شكلي” لا يمت للحكامة الحقيقية بصلة، إذ مباشرة بعد هذا الرفض تم السماح لخروج الدراجات ثلاثية العجلات والهوندات والكانطيرات كاملة بحمولاتها، بما فيها الكميات التي كان يفترض حجزها. وهنا يتصاعد السؤال المركزي: لماذا تشكيل لجنة مراقبة إذا كان القانون لن يُفعّل؟ وبأي منطق يُسمح بخروج أطنان من الأسماك دون وثائق في وقت كانت فيه أطر المندوبية تراقب طيلة اليوم كل صغيرة وكبيرة داخل الميناء؟

فريق البحر أنفو عاين أطر المراقبة التابعة للمندوبية داخل الميناء وهم يؤدون مهامهم بكفاءة وانضباط إلى ساعات متأخرة من الليل. لكن عند بوابة الميناء، التي تقع تحت مسؤولية الجمارك والسلطات المحلية والدرك الملكي، كان المشهد مختلفاً تماماً؛ ارتباك واضح، خروج عشوائي للحمولات، وتناقض فاضح بين الانضباط داخل الميناء والفوضى عند بابه الرئيسي. هذا المشهد أثار غضب المهنيين وعدداً من متتبعي الشأن البحري ببوجدور الذين رأوا في ما حدث استمراراً لحالة فوضى بنيوية يعيشها الميناء منذ سنوات، أبرزها ظاهرة “ستّين صندوق” التي تُفرض على مراكب السردين خارج أي إطار قانوني.

ورغم تقديم هذه “الستين صندوقاً” على أنها استفادة اجتماعية لأبناء الإقليم، إلا أن الواقع يكشف أن المستفيدين يتجاوزون أبناء المنطقة وأن الكميات الخارجة تفوق بكثير الرقم المعلن، بل يتم استغلال هذا الغطاء لإخراج أصناف سمكية أخرى ممنوع صيدها أصلاً. وهنا تظهر مفارقة خطيرة: كيف يستمر هذا الامتياز غير القانوني في ظل دعوات جلالة الملك إلى تعزيز التنمية وفتح أوراش للشغل ومحاربة اقتصاد الظل؟ ولماذا لا يتم إدماج هؤلاء المستفيدين في مشاريع مدرة للدخل بدل الاستمرار في تصريف كميات من الأسماك في وسائل نقل غير مؤهلة ولا تحترم أبسط شروط السلامة والنظافة؟ والأخطر: هل هذه الأسماك موجهة للاستهلاك الآدمي رغم ظروف النقل غير الصحية؟ أم أنها تُوجه لوحدات صناعية معينة؟ ومن يضمن تتبع مسارها وجودتها؟

ليلة السبت تفتح الباب على أسئلة محرجة أمام عامل الإقليم؛ ما هدف لجنة المراقبة إذا لم يُطبق القانون؟ ومن سمح بخروج أطنان من الأسماك دون وثائق رسمية؟ ولماذا تستمر “ستين صندوق” رغم عدم قانونيتها؟ ومن يستفيد من هذا الوضع؟ وكيف تُترك بوابة الميناء مفتوحة على فوضى تامة في وقت تُبذل فيه جهود كبيرة داخل الميناء من قبل أطر المندوبية؟ ثم ما مصير الثروة السمكية إذا استمر هذا التهاون في المراقبة؟ ولمصلحة من يتم غض النظر عن تجاوزات بهذا الحجم؟

ميناء بوجدور اليوم أمام مفترق طرق حقيقي؛ إما العودة إلى احترام القانون بصرامة وإيقاف النزيف الذي يلتهم الثروة البحرية، وإما استمرار الفوضى التي تفقد الميناء هيبته، وتضرب في العمق كل جهود الدولة في تنظيم قطاع الصيد. ما حدث ليلة السبت ليس حادثاً عابراً، بل مرآة لواقع اختلالات عميقة لا يمكن تجاوزها إلا بقرارات شجاعة وصريحة تعيد الأمور إلى نصابها وتضع المسؤوليات في مكانها الصحيح قبل أن تتحول هذه الفوضى إلى قاعدة ثابتة بدل أن تكون مجرد استثناء.

إن استمرار “ستّين صندوق” في ميناء بوجدور خارج أي إطار قانوني هو وضع شاذّ لا يمكن تبريره اجتماعياً ولا مهنياً، خصوصاً في ظل توفر بدائل حقيقية تضمن الكرامة والاستقرار للمستفيدين. فبدل توزيع كميات من الأسماك بطريقة لا تخضع لأي مراقبة ولا تحقق أي تنمية، كان الأجدر إدماج هؤلاء في مشاريع مدرّة للدخل تُقرّها السلطة الإقليمية وترافقها برامج تمويل وتأطير، انسجاماً مع منطق التنمية المستدامة. فالقاعدة البسيطة تقول: علّمني كيف أصطاد ولا تُعطني سمكة، ومن حق هؤلاء أن يستفيدوا من مشاريع تضمن لهم دخلاً قارا وعملاً كريماً، بدل الدفع بهم نحو وضعية رمادية تُستغل لتكريس اقتصاد الظل واستنزاف الثروة البحرية دون أي أثر اجتماعي حقيقي.

وفي الوقت الذي ترتفع فيه أصوات للمطالبة بزيادة الكوطا المخصصة للوحدات الصناعية ببوجدور، تكشف الأرقام الحسابية أبسط مما يُخفيه الواقع. فحين يمنح عشرون مركباً لصيد السردين ستّين صندوقاً في كل رحلة صيد، فإن الحصيلة اليومية تصل إلى 1200 صندوق تُصرف خارج كل الضوابط. وإذا اعتمدنا معدل 200 يوم عمل في السنة، فإن العدد يقفز إلى 240 ألف صندوق سنوياً، فقط من هذه “الاستفادة”. ويكفي للقارئ أن يقوم بعملية ضرب بسيطة: 240 ألف صندوق × 20 كيلوغراماً للصندوق كحد أدنى = 4.8 مليون كيلوغرام من الأسماك، أي ما يقارب خمسة آلاف طن تُصرف خارج السوق القانونية. فكيف يعقل بعد هذا النزيف الهائل للثروة أن يُطالب البعض بزيادة الكوطا الصناعية؟ وأي منطق يقبل توسيع الإنتاج في وقت يُستنزف فيه المورد البحري بهذا الشكل الفاضح؟

إن هذه الأرقام لا تمثل مجرد معطيات تقنية، بل رصاصة إنذار تُظهر حجم النزيف الذي يتعرض له المخزون الوطني، وحجم الضرر الذي يلحق بالمراكب المهيكلة والوحدات الصناعية والمؤسسات الرقابية، ناهيك عن الاقتصاد الوطني ككل. فاستمرار الوضع بهذا الشكل يعني أن جزءاً كبيراً من ثروة بوجدور السمكية يُهرّب تحت ذريعة “الستين صندوق”، وأن منطق الامتيازات غير القانونية بات يقف عائقاً أمام تنظيم القطاع وتطويره. واليوم، أكثر من أي وقت مضى، يصبح من الضروري اتخاذ قرارات شجاعة توقف هذا النزيف وتعيد الأمور إلى مسارها الصحيح، حمايةً للثروة وضماناً لتنمية حقيقية تحترم القانون وتخدم الساكنة والمهنة والدولة.

وللإشارة فقط أنه يوم أمس السبت تم تسجيل خروج كميات الأسماك الممنوحة في إطار 60 صندوقا للمركب، وما غير دلك فكميات هائلة تم السماح لها بالخروج دون وثائق قانونية من الميناء و لاتشكل الاستفادة المعروفة و التي يسعى الجميع إلى الاختباء وراءها لشرعنة نوع من التهريب و الفوضى و العشوائية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *