البحر أنفو – 05/12/2025 يشهد قطاع تحويل وتسويق المنتجات البحرية في المغرب مرحلة دقيقة تتقاطع فيها التحديات الهيكلية مع فرص واعدة للتطوير. ورغم التراجع المسجل في بعض المصايد خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في إنتاج السردين، فإن المؤشرات القائمة تؤكد أن تعزيز القيمة المضافة يشكّل اليوم الرهان الأهم لرفع مردودية القطاع وإعادة توجيه مسار نموه. فالتحول نحو صناعات ذات قيمة مضافة عالية، من قبيل إنتاج المعلبات وشبه المعلبات والمنتجات المجمدة، يمثل خياراً استراتيجياً ضرورياً لتجاوز نموذج الإنتاج القائم على تصدير المادة الخام أو المنتجات منخفضة التحويل.
وقد تمكنت الصناعات التحويلية البحرية، رغم تقلبات التزويد بالمواد الأولية، من ترسيخ موقعها ضمن ركائز الاقتصاد الوطني، إذ تساهم بحوالي 35% من صادرات الصناعات الغذائية، محققة مداخيل تناهز 27,3 مليار درهم. وتبرز هذه الأرقام حجم الإمكانات المتاحة إذا ما تم الاستثمار في الابتكار، وتحسين الجودة، وتوسيع نطاق التحويل المحلي القادر على خلق مناصب شغل وتعزيز الدينامية الاقتصادية في المناطق الساحلية.
غير أن تحديات التزويد بالمواد الأولية تظل واقعية، في ظل تراجع الموارد وبلوغ المصايد التقليدية مستوى من الاستقرار العالمي منذ عقدين. المغرب بدوره لم يكن استثناءً، إذ انخفضت كميات السردين بنحو 22% خلال سنة 2024، وهو ما يعيد إلى الواجهة إشكالية استدامة الموارد البحرية. ورغم أن الإنتاج الوطني بلغ ما يفوق 1,17 مليون طن، فإن ضمان جودة المنتوجات الموجهة للتحويل والتصدير يفرض تسريع برامج البحث العلمي والتدبير المسؤول للثروات البحرية، في شراكة مع المؤسسات الوطنية المتخصصة.
وبينما يشهد العالم طفرة غير مسبوقة في الاعتماد على الاستزراع البحري، الذي يمثل اليوم ما يزيد عن 56% من الإنتاج العالمي، لا يزال هذا المجال في المغرب في مرحلة ناشئة لا تتجاوز بضعة آلاف من الأطنان. التوسع في هذا المجال يظل رهيناً بتجاوز إكراهات التمويل، وملاءمة الإطار التنظيمي، وتهيئة مواقع بحرية مناسبة للاستثمار، خصوصاً أنّ طبيعة السواحل المغربية تفرض شروطاً تقنية دقيقة.
على مستوى الأسواق، يبقى التوجه نحو تنويع الوجهات خياراً لا محيد عنه. فإلى جانب الأسواق الأوروبية التقليدية، يبرز اهتمام متزايد بالأسواق الإفريقية والأمريكية الشمالية، حيث تزداد الحاجة إلى منتجات مبتكرة تلائم الطلب المحلي وتستجيب لمعايير الجودة الدولية. وقد ساهم حضور الفاعلين المغاربة في المعارض الدولية وتنظيم لقاءات افتراضية، في توسيع آفاق التصدير وتعريف المقاولات الوطنية بانتظارات هذه الأسواق الجديدة.
وتواجه الصادرات المغربية بدورها تحديات تتعلق بتصاعد المنافسة الآسيوية واشتداد متطلبات الاستدامة والتتبع. غير أن جودة المنتجات المغربية وشهادات المطابقة التي تحظى بها تمنح القطاع قاعدة صلبة لتطوير حصته في التجارة العالمية، شرط أن ترافقها استثمارات جديدة في البنية اللوجستية، ورفع مستوى الابتكار في تقنيات التحويل، واعتماد مقاربات بيئية متقدمة تضمن ديمومة الموارد.
وتبرز اليوم ضرورة التخلص من نموذج “الصناعة منخفضة التكلفة” الذي يعوّل على اليد العاملة الرخيصة والمواد الأولية الوفيرة، والانتقال إلى نموذج صناعي تنافسي قائم على التكنولوجيا، والابتكار، والاستثمار في الجودة. ويظل إرساء آليات دعم مشابهة لما يستفيد منه القطاع الفلاحي، من بين الشروط الأساسية لإطلاق جيل جديد من الوحدات الصناعية القادرة على خلق الثروة وتوسيع قاعدة التصدير.
وفي صلب هذه التحولات، تواصل الفيدرالية الوطنية لصناعات تحويل وتثمين المنتجات البحرية لعب دور محوري في دعم المقاولات. من خلال تنظيم دورات تكوينية متخصصة في التتبع والابتكار والجودة، وتوقيع شراكات بحث وتطوير مع مؤسسات أكاديمية وعلمية، ودعم المشاريع المبتكرة خصوصاً تلك المرتبطة بالاستغلال الأمثل للمواد الثانوية. كما تعمل الفيدرالية على تيسير ولوج المقاولات إلى الأسواق الجديدة عبر برامج ترويجية تمتد من تنظيم منتدى “Seafood 4 Africa” بالداخلة، إلى المساهمة في منتديات دولية تعالج إشكاليات الاستدامة والاقتصاد الأزرق.
وتشمل جهودها كذلك تطوير حلول بديلة للعلب المعدنية بهدف تخفيض الكلفة وتعزيز التنافسية، إضافة إلى مواصلة الدفاع عن إنشاء آليات تمويل ملائمة، والدعوة إلى بلورة عقد-برنامج وطني يربط بين القطاع الصناعي والفاعلين العموميين لرفع الإنتاجية وتنزيل تحول حقيقي نحو صناعة بحرية مستدامة.
في ضوء هذه الدينامية، يبدو أن مستقبل قطاع تحويل المنتجات البحرية في المغرب يرتبط بقدرته على الانتقال من اقتصاد يعتمد على ثروة طبيعية متقلبة، إلى صناعة قائمة على القيمة المضافة، الابتكار، والاستغلال الرشيد للموارد، بما يعزز موقع المملكة كقطب إقليمي في مجال التحويل والتصدير البحري، ورافعة استراتيجية للاقتصاد الوطني.