البحر أنفو – 19/12/2025 من الشفوي إلى التطبيقي الميداني: التداريب العملية في السلامة البحرية تثبت نجاعتها على أرض الواقع
لم يعد التكوين في مجال السلامة البحرية مجرد دروس نظرية تلقى داخل قاعات التكوين، بل أصبح اليوم مساراً متكاملاً ينتقل بالبحّار من المعرفة الشفوية إلى الممارسة التطبيقية الميدانية، في انسجام تام مع متطلبات الواقع البحري وما يفرضه من جاهزية قصوى لمواجهة المخاطر.

وفي هذا السياق، تؤكد التداريب التطبيقية التي تنظمها مراكز التأهيل المهني البحري، خاصة تلك المتعلقة بوسائل الإنقاذ الفردية والجماعية، نتائجها الباهرة على أرض الواقع، حيث أبان البحارة المستفيدون عن كفاءة عالية في التعامل مع وضعيات الخطر، واستيعاب دقيق للإجراءات السليمة التي قد تشكل الفارق بين الحياة والموت في عرض البحر.
ويُعد مركب “تريالت” للصيد بالجر، الذي يزاول نشاطه بمياه طانطان، نموذجاً دالاً على الأثر الإيجابي لهذا التكوين التطبيقي، بعدما جسّد طاقمه عملياً ما تلقاه من تدريبات في مجال السلامة البحرية، سواء على مستوى حسن استغلال معدات الإنقاذ أو سرعة الاستجابة في الحالات الطارئة، بما يعكس نجاعة المقاربة المعتمدة من طرف مؤسسات التكوين البحري.

كما شكلت التداريب التطبيقية المنجزة على ظهر مركب للصيد الساحلي بميناء أكادير محطة أساسية في هذا المسار، حيث تم التركيز بشكل عملي وميداني على كيفية الاستعمال الصحيح لصدريات النجاة، من حيث طرق الارتداء، شروط الفعالية، وسلوك البحار أثناء حالات السقوط في الماء أو إخلاء المركب. وهي تداريب لا تكتفي بشرح الآليات، بل تزرع لدى البحار ثقافة السلامة والانضباط، وتجعله قادراً على اتخاذ القرار السليم في اللحظة الحرجة.

وتبرز أهمية هذه التداريب في كونها تحاكي ظروف العمل الحقيقية، وتُخرج المتدرب من منطق التلقي السلبي إلى الفعل والممارسة، ما يعزز ثقته في نفسه وفي المعدات المتوفرة، ويرفع من مستوى السلامة الجماعية على متن المراكب. كما تساهم في ترسيخ وعي مهني جديد قوامه أن السلامة ليست إجراءً شكلياً، بل مسؤولية مشتركة وثقافة يومية يجب الالتزام بها دون تهاون.
إن الانتقال من التكوين الشفوي إلى التطبيق الميداني في مجال السلامة البحرية يشكل اليوم رهاناً استراتيجياً، لا فقط للحد من حوادث الشغل في البحر، بل أيضاً لصون الأرواح، وحماية الاستثمارات، وضمان استدامة قطاع الصيد البحري. وهو رهان تثبت التجربة الميدانية، يوماً بعد آخر، أنه خيار صائب بدأت ثماره تظهر بوضوح على ظهر المراكب وفي سلوك البحارة على حد سواء.
وللإشارة فقط أن تعطّل المسبح المتواجد بالمعهد العالي للصيد البحري أفرز إكراهًا حقيقيًا على مستوى التكوين التطبيقي، إذ يجد المكوّنون أنفسهم مجبرين على اللجوء إلى مسابح خاصة، غالبًا تابعة لفنادق، وهو ما يفرض على المتدربين تحمّل مصاريف إضافية من جيوبهم. هذا الوضع لا يخدم التكوين بتاتًا، لا من حيث العدالة في الولوج، ولا من حيث الجودة والاستمرارية، خصوصًا أن السباحة تُعد ركيزة أساسية في تكوين البحارة وفي معايير السلامة البحرية. والأجدر اليوم طرح سؤال مشروع: لماذا لا تتم إعادة تأهيل وإصلاح مسبح المعهد ليستعيد دوره الطبيعي في تكوين المتدربين، ويستفيد منه أيضًا البحارة الوافدون على القطاع، الذين يُلزمهم القانون بالخضوع لتداريب السباحة قبل الحصول على الدفاتر البحرية، بدل تحميلهم أعباء إضافية تتنافى مع روح التأهيل والتشجيع على الاندماج المهني؟










