عاجل
17 يناير 2026 على الساعة 19:51

مرسى المغرب تقتحم موانئ الكناري وتثير الجدل …حضور مغربي غير مسبوق يفتح نقاش السيادة والتنافس

البحر أنفو – 17/01/2026 أثار دخول شركة مرسى المغرب، الفاعل العمومي المغربي في تدبير الموانئ، على خط تدبير محطات الحاويات بجزر الكناري، موجة واسعة من الجدل داخل الأوساط السياسية والاقتصادية الإسبانية، في خطوة اعتُبرت تحوّلًا نوعيًا في معادلات التنافس المينائي بمنطقة الأطلسي الشرقي.

فالشراكة التي جمعت مرسى المغرب بالمجموعة الإسبانية بولودا لم تمر مرور الكرام، بل فجّرت نقاشًا حساسًا يتجاوز البعد الاستثماري ليطال اعتبارات السيادة، والأمن الاستراتيجي، وإعادة توزيع النفوذ اللوجستي في المنطقة.

وبحسب ما تداولته وسائل إعلام إسبانية متخصصة، فإن الاتفاق يمنح الطرف المغربي حصة تقارب 45 في المائة في تدبير محطات الحاويات بكل من لاس بالماس وتينيريفي، وهما من بين أهم البنى التحتية التي يقوم عليها النشاط المينائي واللوجستي في الأرخبيل. ويُعد هذا التطور سابقة لافتة، باعتباره أول حضور مباشر لمؤسسة مملوكة لدولة أجنبية في قلب منظومة تدبير موانئ تُصنف ضمن الأصول الاستراتيجية لإسبانيا.

في جزر الكناري، سرعان ما ارتفعت أصوات التحفظ والقلق، خصوصًا من طرف مسؤولين محليين يرون في هذه الخطوة تهديدًا محتمَلًا لمكانة الموانئ الكنارية في شبكة الملاحة الدولية. وفي مقدمة المنتقدين، برز موقف أنطونيو موراليس، رئيس مجلس جزيرة غران كناريا، الذي عبّر صراحة عن تخوفه من “مخاطر حقيقية” قد تترتب عن هذا التقارب، محذرًا من انعكاساته على تنافسية الموانئ المحلية على المدى المتوسط والبعيد.

ويستحضر موراليس، كما عدد من الفاعلين الإسبان، النموذج المغربي الذي بات يُقدَّم في النقاشات الداخلية كحالة مرجعية مقلقة، في إشارة إلى الصعود السريع لميناء طنجة المتوسط، الذي استطاع في ظرف وجيز أن يفرض نفسه كقطب لوجستي عالمي، متجاوزًا موانئ أوروبية عريقة، وفي مقدمتها الجزيرة الخضراء. هذا التحول، الذي كان ثمرة رؤية استراتيجية مغربية واستثمارات ضخمة وشراكات مدروسة، يُخشى اليوم أن يعيد رسم خريطة التنافس المينائي في الفضاء الأطلسي، على حساب الموانئ الكنارية.

وتتعزز هذه المخاوف، وفق القراءة الكنارية، بكون مرسى المغرب تضطلع في الوقت ذاته بدور محوري في تطوير واستغلال ميناء الداخلة الأطلسي، أحد أضخم المشاريع المينائية في جنوب المغرب. ويرى منتقدو الشراكة أن الجمع بين الحضور المغربي في الكناري، والانخراط في بناء منصات مينائية جديدة جنوبًا، قد يؤدي تدريجيًا إلى إعادة توجيه جزء من التدفقات التجارية واللوجستية نحو السواحل المغربية، بما يُضعف الدور التقليدي للأرخبيل كنقطة عبور رئيسية بين أوروبا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.

ولا تقتصر التحفظات على الجوانب الاقتصادية فحسب، بل تمتد إلى أسئلة أكثر حساسية تتعلق بالسيادة والأمن. إذ يرى بعض المحللين الإسبان أن دخول فاعل مملوك لدولة أجنبية إلى منشآت مينائية ذات طابع استراتيجي يطرح إشكالات قانونية وسيادية، خصوصًا في سياقات الأزمات أو التوترات الجيوسياسية، حيث قد تتداخل المصالح التجارية مع اعتبارات الأمن البحري ومراقبة المجال الأطلسي.

في مقابل تصاعد الجدل، يلتزم الحكومة الإسبانية المركزية صمتًا لافتًا، دون تقديم توضيحات رسمية بشأن مسار الترخيص لهذه الشراكة، أو الضمانات المؤطرة لها، سواء على مستوى الحكامة أو حماية المصالح الاستراتيجية للدولة. هذا الغموض زاد من حدة الانتقادات الصادرة عن مسؤولين محليين ونخب اقتصادية في الكناري، الذين يطالبون بفتح نقاش مؤسساتي شفاف يحدد بدقة حدود الشراكة وأبعادها المستقبلية.

وفي المحصلة، يكشف هذا الجدل أن خطوة مرسى المغرب، وإن قُدّمت في إطار تعاون اقتصادي مشروع، فإنها تعكس في العمق تحولات أعمق في ميزان القوى اللوجستية بين ضفتي المتوسط والأطلسي. كما تؤكد أن المغرب، عبر فاعليه العموميين، لم يعد مجرد طرف في منظومة الموانئ الإقليمية، بل بات لاعبًا وازنًا يفرض حضوره، ويُعيد تشكيل قواعد المنافسة، في فضاء كانت تتحكم فيه تقليديًا قوى أوروبية راسخة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *