البحر أنفو – 18/01/2026 دخلت معاهدة أعالي البحار التابعة للأمم المتحدة حيّز التنفيذ، في محطة مفصلية تُعيد رسم قواعد التعامل مع واحد من أكثر المجالات الطبيعية هشاشة وإهمالًا على مستوى العالم. هذه المعاهدة، التي تُعرف رسميًا باسم “التنوع البيولوجي خارج نطاق الولاية الوطنية”، تضع لأول مرة إطارًا قانونيًا ملزمًا لحماية المناطق البحرية الواقعة خارج السيادات الوطنية، وهي مناطق شاسعة تمثل نحو ثلثي المحيطات ونصف مساحة سطح الكوكب، وظلت لعقود طويلة خارج أي منظومة حوكمة بيئية فعالة.
وجاء دخول المعاهدة حيز التنفيذ بعد مسار تفاوضي طويل امتد لأكثر من خمسة عشر عامًا، تُوّج باعتمادها رسميًا في مارس 2023، قبل أن تبلغ النصاب القانوني بدخول ستين دولة مرحلة التصديق في شتنبر الماضي، ما أتاح تفعيلها بعد مرور المدة القانونية المحددة. ومنذ ذلك الحين، واصل عدد الدول المصادِقة الارتفاع ليتجاوز ثمانين دولة، من بينها قوى وازنة مثل الصين والبرازيل واليابان، في مؤشر على تنامي الوعي الدولي بضرورة حماية أعالي البحار باعتبارها إرثًا مشتركًا للإنسانية.

المعاهدة تمنح المجتمع الدولي، لأول مرة، أدوات قانونية واضحة لتنظيم الأنشطة البشرية في أعالي البحار، وفي مقدمتها الصيد الجائر والاستغلال غير المستدام للموارد البحرية. كما تفتح الباب أمام إنشاء شبكة عالمية من المناطق البحرية المحمية في المياه الدولية، وهي خطوة نوعية من شأنها سد فراغ قانوني طالما استُغل لتكريس منطق الاستنزاف بدل الحماية. ويُنظر إلى هذا التحول باعتباره انتقالًا من مرحلة “حرية أعالي البحار” غير المنضبطة إلى مرحلة مسؤولية جماعية قائمة على قواعد واضحة وملزمة.
ولا تقتصر أهمية المعاهدة على الجانب الحمائي فحسب، بل تمتد إلى البعد الاقتصادي والإنمائي، من خلال إرساء آليات لتقاسم منافع ما يُعرف بالاقتصاد الأزرق، خصوصًا الموارد الجينية البحرية التي أصبحت تشكل رهانًا استراتيجيًا في مجالات التكنولوجيا الحيوية والصناعات الدوائية. ففي ظل النظام السابق، كانت هذه الموارد تُستغل في الغالب من طرف عدد محدود من الدول والشركات المتقدمة، دون أي إطار يضمن العدالة أو تقاسم العائدات. أما اليوم، فالمعاهدة تسعى إلى تصحيح هذا الخلل، ومنح الدول النامية نصيبًا من ثمار الثروة البحرية العالمية.

كما تفرض المعاهدة التزامًا صريحًا بإجراء تقييمات للأثر البيئي قبل إطلاق أي أنشطة قد تؤثر على النظم الإيكولوجية البحرية، وهو ما يُعد خطوة أساسية للحد من الأضرار غير المحسوبة التي تهدد التوازن البيئي في المحيطات. ويأتي ذلك في سياق سعي دولي لتحقيق هدف طموح يتمثل في حماية ثلاثين في المئة من المساحات البحرية بحلول سنة 2030، وهو هدف ما يزال بعيد المنال في ظل واقع لا تتجاوز فيه المناطق البحرية المحمية حاليًا ثمانية في المئة فقط من إجمالي المحيطات.
ورغم الطابع التقدمي للمعاهدة، فإنها لا تخلو من حدود وإكراهات، أبرزها استثناؤها لملف التعدين في أعماق البحار، الذي يظل خاضعًا لاختصاص الهيئة الدولية لقاع البحار. هذا الاستثناء يثير قلق عدد من الفاعلين البيئيين، في ظل تصاعد الاهتمام الصناعي باستخراج المعادن النادرة من قاع المحيط، وما يحمله ذلك من مخاطر جسيمة على نظم بيئية لا تزال مجهولة في كثير من جوانبها.
في المحصلة، يشكل دخول معاهدة أعالي البحار حيز التنفيذ تحولًا نوعيًا في مسار حماية المحيطات، ويؤسس لمرحلة جديدة من الحوكمة البيئية العالمية قائمة على المسؤولية المشتركة بدل الاستغلال المنفلت. غير أن نجاح هذا الإطار القانوني سيظل مرهونًا بسرعة تحقيق تصديق شبه شامل، وبمدى قدرة الدول على ترجمة الالتزامات المكتوبة إلى إجراءات عملية في عرض البحر. فالمعاهدة وُلدت قوية من حيث المبدأ، لكن فعاليتها الحقيقية ستُقاس بقدرتها على تغيير الواقع، لا الاكتفاء بإعادة صياغته قانونيًا.