البحر أنفو – 22/01/2026 حين تختبر الأمواج حدود التكنولوجيا: مغامرة كادت أن تقلب “كاتاماران أمان” وتعيد طرح سؤال السلامة البحرية متابعة:
شهدت السواحل الأطلسية، يوم الأربعاء الماضي، حادثًا بحريًا لافتًا أعاد إلى الواجهة النقاش حول السلامة، الجاهزية، وحدود المخاطرة في البحر، بعدما وثّق مقطع فيديو متداول على نطاق واسع على وسائل التواصل الاجتماعي لحظات عصيبة عاشها طاقم مركب “أمان”، التابع لـ المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، وهو يواجه أمواجًا عاتية بلغت من القوة حدّ أن المركب كان قاب قوسين أو أدنى من الانقلاب.

الفيديو، الدي حظي بآلاف المتابعات والتفاعلات، لم تكن مجرد مشاهد عابرة لبحر هائج، بل عكست وضعًا بالغ الخطورة، حيث بدت الأمواج وكأنها تختبر صلابة الهيكل، ورباطة جأش الربان، وقدرة الطاقم على الصمود في لحظة كان فيها الخطأ البشري أو سوء التقدير كفيلًا بتحويل المهمة العلمية إلى كارثة بحرية حقيقية تهدد الأرواح والمعدات معًا.
ورغم أن الحادث لم يُسفر، لحسن الحظ، عن خسائر بشرية، إلا أنه سلّط الضوء على المخاطر الجسيمة التي قد تواجه حتى أكثر الوحدات البحرية تطورًا من الناحية التقنية، عندما تشتد قسوة البحر وتفرض الطبيعة منطقها الذي لا يعترف إلا بالحذر والاستباق.

ويكتسي هذا الحادث أهمية خاصة بالنظر إلى رمزية المركب المعني. فـ “كاتاماران أمان” ليس مجرد قارب أبحاث عادي، بل يُعد من أحدث الوحدات التي عزز بها المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري أسطوله العلمي، في إطار رؤية استراتيجية تروم دعم البحث والابتكار في مجال الاستزراع المائي وتربية الأحياء البحرية.
وقد جرى تدشين هذا المركب في فبراير 2024، على هامش الدورة السابعة لمعرض “أليوتيس”، تحت إشراف كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، باعتباره رافعة تكنولوجية متقدمة في خدمة الاقتصاد الأزرق والسيادة الغذائية للمملكة.

شُيّد “أمان” بإسبانيا من طرف شركة Talleres Blanchadell، بكلفة إجمالية ناهزت 11 مليون درهم، وهو كاتاماران بطول 17,1 مترًا، يتميز بقدرة عالية على المناورة، وسطح عمل واسع يمتد على 65 مترًا مربعًا، وحمولة تفوق 20 طنًا، إضافة إلى رافعة تلسكوبية بقوة 200 kNm.
هذه المواصفات التقنية جعلت من “أمان” أداة محورية لدعم مشاريع الاستزراع المائي، لاسيما الضيعة البحرية التجريبية بسيدي إفني، التي يعوّل عليها المعهد لتشجيع الاستثمار في تربية الأسماك في عرض البحر، عبر البحث العلمي والتطوير التقني. غير أن ما كشفه الفيديو المتداول أعاد التذكير بحقيقة لا تقبل الجدل: التكنولوجيا مهما بلغت درجة تطورها لا تُلغي المخاطر البحرية، بل تتطلب مرافقة دائمة بثقافة سلامة صارمة، وتقدير دقيق للظروف المناخية، وحدود الإبحار الآمن.
فالمغامرة، حين تخرج عن حسابات الحذر، قد تحوّل أدوات البحث والابتكار إلى مصدر تهديد مباشر لسلامة الطواقم. ومن هذا المنطلق، يطرح الحادث تساؤلات مشروعة حول شروط الإبحار، وتقييم المخاطر، ومدى ملاءمة توقيت الخروج إلى البحر، خاصة بالنسبة لوحدات تحمل طابعًا علميًا ومؤسساتيًا، يفترض أن تكون نموذجًا يُحتذى في احترام معايير السلامة البحرية.

لقد نجا “أمان” وطاقمه من الأسوأ، لكن الرسالة التي حملتها الأمواج كانت واضحة: البحر لا يُختبر بالمجازفة، بل يُواجَه بالعلم، والانضباط، واحترام قواعد السلامة قبل أي اعتبار آخر. وهي رسالة تهم، ليس فقط المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، بل كل الفاعلين في المنظومة البحرية، في زمن تتعاظم فيه الرهانات، وتتزايد فيه المخاطر.