البحر أنفو – 03/03/2026 في سياق التحولات الجيوسياسية المتسارعة في غرب البحر الأبيض المتوسط، يتجه المغرب إلى إعادة صياغة عقيدته البحرية بما ينسجم مع رهانات الأمن الإقليمي وحماية المصالح الاستراتيجية في الواجهة الأطلسية ومضيق جبل طارق.
هذا التوجه فتح الباب أمام تنافس أوروبي قوي للفوز بصفقات محتملة لتزويد البحرية الملكية بغواصات متطورة، في واحدة من أبرز المحطات المرتقبة في مسار تحديث القدرات الدفاعية للمملكة.
في مقدمة هذا السباق، تتحرك المجموعة الفرنسية Naval Group بعرض يشمل غواصتين من طراز Scorpène، مع حزمة تعاون صناعي وتقني موسعة. ويستند المقترح الفرنسي إلى ما تصفه باريس بعمق الشراكة الدفاعية مع الرباط، مع التركيز على نقل الخبرة وتعزيز قابلية الإدماج الصناعي المحلي، في أفق بناء تعاون طويل الأمد يتجاوز صفقة التوريد إلى شراكة استراتيجية مستدامة.
غير أن الطموح الفرنسي يصطدم بمنافسة ألمانية وإسبانية قوية. فشركة ThyssenKrupp Marine Systems الألمانية، المعروفة بحضورها الوازن في سوق الغواصات التقليدية، تسعى بدورها إلى تقديم عرض تقني متقدم يستند إلى خبرتها الطويلة في هذا المجال. كما دخلت الشركة الإسبانية Navantia السباق بعرض لغواصات من فئة S-80، في خطوة تعكس رغبة مدريد في تعزيز تعاونها الدفاعي مع الرباط ضمن توازنات إقليمية دقيقة.
ويأتي هذا التنافس في ظرفية إقليمية تتسم بحساسية متزايدة، حيث يواصل المغرب الاستثمار في تحديث أسطوله البحري وتعزيز قدراته في مجال الردع والمراقبة البحرية، بما يواكب التحولات الأمنية في محيطه الاستراتيجي. وتُعد الغواصات، باعتبارها أداة ردع صامتة وفعالة، عنصراً محورياً في أي عقيدة بحرية حديثة.
على المستوى الدبلوماسي، كثفت باريس تحركاتها عبر تعزيز قنوات التواصل العسكري، بما في ذلك تعيين ملحق عسكري جديد مكلف بملف التسلح، إلى جانب إطلاق آليات تنسيق مؤسساتي لدعم التعاون الصناعي الدفاعي. ويعكس هذا التحرك إدراكاً أوروبياً بأن القرار المغربي لن يُبنى فقط على الاعتبارات التقنية، بل سيأخذ بعين الاعتبار أبعاد الشراكة الاستراتيجية ونقل التكنولوجيا والتموقع الجيوسياسي.
وبين العروض الثلاثة، يبقى الحسم رهيناً بمزيج معقد من المعايير العملياتية والكلفة المالية وشروط التصنيع المشترك، ما يجعل سباق الغواصات أكثر من مجرد صفقة عسكرية، بل اختباراً لتوازنات الشراكات الدفاعية في غرب المتوسط.