البحر أنفو – 21/03/2026 نظام الدفع «فويث شنايدر»… ثورة هندسية تمنح السفن حرية الحركة الجانبية
في عالم الملاحة البحرية، حيث الدقة في المناورة قد تعني الفارق بين الأمان والخطر، يبرز نظام Voith Schneider Propeller (VSP) كأحد أبرز الابتكارات الهندسية التي أعادت تعريف طرق تحرك السفن داخل الموانئ والمجالات الضيقة.
هذا النظام، الذي طُوّر في ألمانيا خلال عشرينيات القرن الماضي، لا يكتفي بدفع السفن إلى الأمام أو الخلف، بل يمنحها قدرة استثنائية على التحرك في جميع الاتجاهات، بما في ذلك الحركة الجانبية، في مشهد يحاكي حركة السرطان في الماء.
آلية اشتغال مبتكرة خارج المألوف
على عكس المراوح التقليدية التي تعتمد على شفرات أفقية تدور لدفع السفينة في اتجاه محدد، يقوم نظام «فويث شنايدر» على مبدأ مختلف كلياً. إذ يتكون من مجموعة شفرات عمودية مثبتة على قرص دوّار أسفل هيكل السفينة. وخلال دوران هذا القرص، تقوم كل شفرة بتغيير زاويتها بشكل مستمر ودقيق، ما يسمح بتوجيه قوة الدفع في أي اتجاه أفقي بشكل فوري.
هذا التوجيه الديناميكي للدفع يتيح للسفينة التحرك إلى الأمام، أو الخلف، أو حتى بشكل جانبي، دون الحاجة إلى تغيير اتجاه دوران المحرك. كما يُغني هذا النظام عن استخدام الدفّة التقليدية، حيث يتم التحكم الكامل في اتجاه الحركة عبر تعديل زوايا الشفرات فقط.

دقة عالية واستجابة فورية
يمتاز نظام VSP بسرعة استجابة استثنائية، خاصة عند السرعات المنخفضة، وهو ما يجعله مثالياً لعمليات الملاحة الدقيقة داخل الموانئ أو أثناء عمليات الرسو والتموضع. ويتم التحكم في زوايا الشفرات عبر أنظمة هيدروليكية أو كهربائية متصلة مباشرة بجسر القيادة، ما يمنح الربان تحكماً سلساً ودقيقاً في حركة السفينة.
استخدامات استراتيجية في البيئات المعقدة
بفضل هذه الخصائص، يُستخدم نظام «فويث شنايدر» على نطاق واسع في القاطرات المينائية، وعبّارات نقل الركاب، وسفن الخدمات البحرية العاملة في عرض البحر، وهي فئات تتطلب قدرة عالية على المناورة في مساحات محدودة وظروف تشغيل معقدة.
بين الكلفة والكفاءة
رغم أن هذا النظام يُعد أكثر تعقيداً من حيث التصميم والتشغيل مقارنة بالمراوح التقليدية، كما أنه يتطلب استثمارات مالية أعلى، إلا أن مردوديته في العمليات التي تتطلب دقة عالية وسرعة استجابة تجعل منه خياراً استراتيجياً لا غنى عنه في العديد من التطبيقات البحرية الحديثة.
نحو مستقبل ملاحي أكثر تحكماً
يُجسد نظام «فويث شنايدر» تحولاً نوعياً في هندسة الدفع البحري، حيث لم يعد التحكم في السفينة مقيداً بالاتجاهات التقليدية، بل أصبح أكثر مرونة وذكاءً. ومع تطور التقنيات المرتبطة بالتحكم والقيادة، يُتوقع أن يواصل هذا النظام حضوره القوي في مستقبل الملاحة، خاصة في ظل تزايد الحاجة إلى حلول دقيقة وآمنة في البيئات البحرية المعقدة.
