البحر أنفو – 25/03/2026 في ظرفية مناخية استثنائية، يسجل المغرب واحدة من أفضل وضعياته المائية خلال السنوات الأخيرة، بعد شتاء وُصف بالأكثر رطوبة منذ 1981، حيث بلغت نسبة ملء السدود 72,1 في المائة إلى غاية 21 مارس 2026، وهو مستوى لم يتحقق منذ ما يقارب عقدًا من الزمن.
هذا التحسن الملحوظ، الذي يأتي عقب سبع سنوات متتالية من الجفاف، منح البلاد متنفسًا حقيقيًا وأعاد التوازن النسبي للموارد المائية، غير أنه لا يخفي في المقابل حجم التحديات التي تلوح في الأفق، خاصة مع تزايد المؤشرات الدولية بشأن عودة محتملة لظاهرة “النينيو” خلال الأشهر المقبلة.
المعطيات الصادرة عن أبرز مراكز التنبؤ المناخي في العالم ترسم ملامح مرحلة مناخية دقيقة، حيث تشير الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأمريكية إلى احتمال يصل إلى 62 في المائة لظهور “النينيو” ما بين يونيو وغشت 2026، مع إمكانية استمراره إلى نهاية السنة، بل وبلوغ مستوى قوي في بعض السيناريوهات.
في المقابل، تذهب توقعات المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى إلى تقديرات أكثر تشددًا، إذ ترجح بنسبة تصل إلى 98 في المائة حدوث “نينيو” معتدل بحلول غشت، مع احتمال يناهز 22 في المائة لحدوث ظاهرة شديدة القوة.
ورغم التحفظ النسبي الذي تبديه المنظمة العالمية للأرصاد الجوية بسبب ما يُعرف بحاجز التنبؤ الربيعي، فإنها تؤكد بدورها الاتجاه التصاعدي نحو عودة هذه الظاهرة، بما يحمله ذلك من تداعيات محتملة على الأنظمة المناخية، خاصة في المناطق الهشة مثل حوض البحر الأبيض المتوسط.
بالنسبة للمغرب، لا تظل هذه التوقعات مجرد معطيات نظرية، بل ترتبط مباشرة بتجربة قريبة، حيث خلفت موجة “النينيو” السابقة خلال 2023-2024 آثارًا قاسية، أدت إلى تراجع حاد في مخزون السدود لم يتجاوز 25 في المائة في بعض الفترات، وما صاحب ذلك من ضغط كبير على التزود بالماء الصالح للشرب والأنشطة الفلاحية. وبالتالي، فإن عودة محتملة لهذه الظاهرة، حتى وإن كانت بدرجة معتدلة، من شأنها إعادة البلاد إلى دائرة الإجهاد المائي في ظرف وجيز.
ورغم هذا القلق، فإن الوضعية الحالية تبقى مريحة نسبيًا، إذ بلغ المخزون الإجمالي للسدود حوالي 12,38 مليار متر مكعب، وهو ما يمثل تقريبًا ضعف الكمية المسجلة خلال الفترة نفسها من السنة الماضية. غير أن هذه الأرقام الإيجابية تخفي تفاوتات مجالية واضحة، حيث تستفيد بعض الأحواض المائية بشكل أكبر من التساقطات، على غرار حوض سبو وأبي رقراق واللوكوس التي سجلت نسب امتلاء مرتفعة، في حين تظل وضعية أحواض أخرى، مثل درعة-واد نون وسوس-ماسة، دون المستوى المطلوب، مع استمرار الضغط على سدود استراتيجية من قبيل سد المسيرة الذي لم يسترجع سوى جزء محدود من طاقته الاستيعابية.
هذا التباين يعكس هشاشة البنية المائية على المستوى الوطني، ويؤكد أن الوفرة الحالية، رغم أهميتها، تبقى ظرفية وغير كافية لضمان الأمن المائي على المدى البعيد، خاصة في ظل التغيرات المناخية المتسارعة. وفي هذا الإطار، يواصل المغرب تنزيل مجموعة من المشاريع الكبرى الرامية إلى تعزيز قدرته على مواجهة هذه التحديات، من خلال تسريع وتيرة إنجاز محطات تحلية مياه البحر، وعلى رأسها محطة الدار البيضاء التي يرتقب أن تدخل الخدمة مع نهاية 2026 بطاقة أولية تصل إلى 200 مليون متر مكعب سنويًا، إلى جانب مشاريع مماثلة مبرمجة بمدن أخرى.
كما تراهن الاستراتيجية الوطنية على مشاريع الربط بين الأحواض المائية، بما يسمح بتحويل الفائض من المناطق الغنية إلى تلك التي تعاني خصاصًا، فضلًا عن تكثيف الجهود للحد من ظاهرة توحل السدود، التي تقلص من قدرتها التخزينية، وتوسيع نطاق إعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، وتحسين مردودية شبكات الري. وهي إجراءات تهدف في مجملها إلى تقليص الاعتماد على التساقطات المطرية التي أصبحت أكثر تقلبًا وأقل انتظامًا.
في المحصلة، يقف المغرب أمام مفارقة واضحة: وضعية مائية مريحة ظرفيًا، تقابلها مخاطر مناخية جدية على المدى القريب والمتوسط. وبين هذا وذاك، تبرز أهمية استثمار هذه الفترة الإيجابية كنافذة زمنية حاسمة لتسريع الإصلاحات وتعزيز مناعة المنظومة المائية.فالتحدي لم يعد فقط في مواجهة الندرة، بل في تدبير الوفرة أيضًا، بما يضمن استدامة الموارد وحمايتها من التقلبات المستقبلية.
وفي ظل المعطيات الحالية، يبدو أن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة في اختبار قدرة المغرب على تحويل هذا الانتعاش المؤقت إلى رافعة حقيقية لأمنه المائي.