البحر أنفو – 01/05/2026 في توقيت حساس لا يفصل سوى يوم واحد عن دخول الإجراءات الجديدة حيّز التنفيذ، تفجّرت على منصات التواصل الاجتماعي موجة من “الأوديوهات” التي تدعو إلى الإضراب ومقاطعة الشراء داخل أسواق السمك بالجملة.
دعوات بدت في ظاهرها احتجاجاً على قرار المكتب الوطني للصيد البحري اعتماد ضوابط أكثر صرامة في الأداء، لكنها في العمق كشفت عن ارتباك بنيوي داخل الجسم المهني، وطرحت أسئلة محرجة حول أدوار التمثيليات المهنية وحدود مسؤوليتها.
القرار في حد ذاته لا يخرج عن منطق تأمين المعاملات التجارية. فرض التحصيل المسبق للشيكات أو اعتماد الشيك المصادق عليه ليس إجراءً معزولاً، بل يدخل ضمن توجه أوسع نحو تقليص المخاطر المرتبطة بالشيكات بدون رصيد، وضمان سيولة مالية شفافة داخل فضاءات تشهد يومياً معاملات بملايين الدراهم. بمعنى آخر، الدولة عبر المكتب تحاول عقلنة السوق، ووضع حد للفوضى التي لطالما اشتكى منها المهنيون أنفسهم.
لكن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في طبيعة القرار، بل في طريقة تنزيله وتدبير مرحلته الانتقالية. فعدد من تجار السمك يرون أن هذه الشروط، رغم وجاهتها من حيث المبدأ، لم تُمنح لها المهلة الكافية للتأقلم، خاصة بالنسبة لصغار التجار الذين يعتمدون على سيولة محدودة ودورات مالية قصيرة.
وهنا يبرز سؤال التوقيت: لماذا لم تظهر هذه الأصوات الرافضة إلا قبل يوم أو يومين من التنفيذ؟ ولماذا لم يتم فتح نقاش مهني موسع في وقت سابق؟
الأكثر إثارة للانتباه هو الصمت المطبق لـكنفدرالية تجار السمك، رغم علمها المسبق بهذه الإجراءات ومشاركتها في اجتماعات سابقة حول الموضوع. هذا الصمت لا يمكن قراءته فقط كغياب للموقف، بل قد يُفهم كأزمة تمثيلية حقيقية:
هل الكنفدرالية غير قادرة على توحيد صفوف المهنيين؟ أم أنها فضّلت منطق التوافق الصامت مع الإدارة على حساب التعبير العلني عن انشغالات قواعدها؟
في المقابل، خروج بعض الأصوات الفردية للدعوة إلى الإضراب يعكس فراغاً في التأطير، أكثر مما يعكس قوة موقف جماعي منظم. فالدعوة إلى شلّ السوق في هذا التوقيت بالذات، دون بدائل واضحة أو رؤية تفاوضية، قد تضر بالتجار أنفسهم قبل غيرهم، خاصة في ظل ارتباط السوق بسلاسل تموين تمتد من الموانئ إلى المستهلك النهائي.
المقاربة البراغماتية تفرض طرح خيار ثالث بعيداً عن ثنائية “الرفض المطلق” و”القبول الصامت”. كان من الأجدر بالتمثيليات المهنية أن تطالب بمهلة انتقالية معقولة، تُواكبها إجراءات عملية: تسهيلات بنكية، مواكبة للتجار الصغار، وتوضيح دقيق لكيفية تنزيل الشروط الجديدة. كما أن فتح قنوات تواصل مباشرة وشفافة مع المكتب كان سيجنب هذا الاحتقان المتأخر.
في النهاية، ما يجري اليوم ليس مجرد خلاف تقني حول وسائل الأداء، بل هو اختبار حقيقي لمدى نضج المنظومة المهنية في قطاع حيوي كالصيد البحري. بين إدارة تسعى إلى فرض الانضباط المالي، ومهنيين يطالبون بهوامش مرونة، تبقى الحلقة الأضعف هي غياب الوساطة الفعالة.
وإذا استمر هذا الفراغ، فإن “أوديوهات الواتساب و الفايسبوك” ستتحول تدريجياً من مجرد تعبير عابر إلى بديل غير مؤسساتي لصنع القرار داخل القطاع.
السؤال أكثر حساسية : واش فعلاً كاين تمرد داخل القواعد على التمثيليات المهنية، ولا غير تعبير ظرفي على الاحتقان ؟
الواقع يبين فيه قراءات :
القراءة الأولى تقول أن جزء من التجار فقد الثقة في كنفدرالية تجار السمك، وكيشوف أنها ما بقاتش كتعكس نبض القواعد، خصوصاً ملي كتكون حاضرة فالنقاشات وما كتخرج حتى بموقف واضح فالتوقيت الحاسم.
هاد الإحساس كيدفع بعض الأصوات باش تتجاوز الإطارات الرسمية وتلجأ لوسائل بديلة بحال الأوديوهات والتعبئة العفوية، وهو ما يمكن يتفهم كشكل من أشكال “التمرد الناعم”. لكن القراءة الثانية كتعتبر أن ما يقع ماشي تمرد منظم، بل رد فعل متسرع ناتج عن ضغط اللحظة والخوف من التغيير، فغياب تأطير حقيقي وتواصل واضح.
وبين هاد القراءتين، كيبقى المؤكد أن أي فراغ فالتأطير كيتحول بسرعة إلى فوضى في المواقف، وكيضعف موقع المهنيين فالتفاوض، خصوصاً فمواجهة مؤسسات منظمة بحال المكتب الوطني للصيد البحري.