البحر أنفو – 08/05/2026 في أسواق السمك، لا شيء يسير بخط مستقيم. كل شيء يبدو بسيطًا في الظاهر، لكنه في العمق متاهة من التناقضات، تماما كما في فيلم الحاكم العام لجزيرة الشاكرباكربن “1980”، حيث تختلط السلطة بالوهم، والواقع بالسخرية، وتتحول الشخصيات إلى كائنات تائهة داخل جزيرة لا يعرف أحد إن كانت حقيقية أم مجرد انعكاس لعبث جماعي طويل.
هكذا أصبحت بعض مشاهد تجارة السمك اليوم… مسرحًا هزليًا بطعم التراجيديا. في النهار، خطابات مشتعلة عن “التضامن المهني” و”حماية التاجر الصغير”، وفي الليل، ترتيبات صامتة خلف الستار، واتصالات جانبية، وأصدقاء يُرسلون لإتمام عمليات الشراء بعيدًا عن الأعين، وكأننا أمام فصل جديد من “تجارة الشاكرباكربن”، تلك التجارة التي لا تؤمن بالمواقف بقدر ما تؤمن بفن الأقنعة وتبديل الأدوار.
الإجراءات الجديدة التي اعتمدها المكتب الوطني للصيد بفرض الأداء المسبق عبر شيكات مصادق عليها أو وضع كوسيون، لم تكن قرارًا اعتباطيًا خرج من مزاج إداري عابر، بل جاءت امتدادًا لتوصيات المجلس الأعلى للحسابات، بعد سنوات من الفوضى المالية التي جعلت بعض الأسواق تعيش على إيقاع الشيكات المؤجلة والأرصدة الوهمية، حتى صار الأداء أحيانًا أقرب إلى مقامرة مفتوحة منه إلى معاملة تجارية مضبوطة.
كان من المنتظر أن يبدأ تنزيل هذه الإجراءات مطلع أبريل، غير أن طلبات التأجيل التي تقدمت بها الكونفدراليات دفعت نحو تأخير التنفيذ إلى بداية ماي، في محاولة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الأوراق. هناك من فهم الرسالة سريعًا، ووضع الكوسيون، واحترم قواعد المرحلة الجديدة، مدركًا أن البحر لم يعد يحتمل المزيد من الفوضى. لكن بالمقابل، اختارت فئة أخرى لعب دور “المعارض الثوري”، فرفعت سقف الرفض في العلن، بينما كانت في الخفاء تبحث عن منافذ للمرور الهادئ نحو السوق.
وهنا تبدأ التراجيديا الساخرة… أولئك الذين قدموا أنفسهم كحراس للمهنة، ظهروا كأبطال فوق المنصات، لكنهم خلف الستار كانوا يمارسون أكثر أشكال البراغماتية انتهازية. يرفضون الشروط نهارًا، ثم يلتفون عليها ليلًا عبر الوسطاء والأصدقاء، في مشهد يُشبه شخصيات “جزيرة الشاكرباكربن” التي كانت تتحدث عن المبادئ بينما تغرق تدريجيًا في تناقضاتها الداخلية. والأكثر دلالة، أن بعض التجار الذين وضعوا الكوسيون منذ أسابيع، تمكنوا من التعامل بشيكات عادية دون أي مشكل، لأن الضمان المالي كان حاضرًا أصلًا. هنا تتعرى الحقيقة كاملة: القضية ليست قضية “شيك مصادق عليه” أو “شيك عادي”، بل قضية ثقة وضمان وقدرة مالية واضحة.
المسألة ببساطة أن السوق لم يعد قادرًا على تحمل منطق “اشترِ اليوم… ودبّر غدًا”، لأن هذا المنطق نفسه هو الذي راكم أزمات الشيكات بدون مؤونة، وأدخل القطاع في دوامات من العبث المالي. ورغم ذلك، لا يتوقف بعض محترفي الخطابات عن تسويق رواية “إقصاء التاجر الصغير”، وكأن التنظيم صار جريمة، والانضباط مؤامرة. والحال أن الإجراء الجديد لا يُقصي أحدًا بقدر ما يعيد فرز المشهد وفق معايير يفترض أنها بديهية في أي تجارة محترمة: القدرة المالية، احترام الالتزامات، الجدية المهنية، والانضباط في الأداء.
لأن السوق الذي يساوي بين التاجر المنظم ومن اعتاد تدوير الشيكات الفارغة، ليس سوقًا… بل جزيرة أخرى من جزر الشاكرباكربن. المكتب الوطني للصيد ليس بنكًا يمنح قروضًا مقنعة، ولا مؤسسة خَيرية تُدبّر عجز البعض على حساب المال العام. بل هو مؤسسة مؤتمنة على استخلاص وتحويل اقتطاعات مرتبطة بالجماعات المحلية والضمان الاجتماعي وباقي الالتزامات المالية، بينما لا يحتفظ إلا بنسبة محدودة من رقم المعاملات.
وقد سبق أن دفع ثمن سنوات من التساهل، حين وجد نفسه أمام شيكات بلا رصيد ومبالغ مالية ضخمة يصعب استخلاصها بسبب ممارسات حولت التجارة إلى لعبة حظ أكثر منها قطاعًا اقتصاديًا منظمًا.
اليوم، يبدو أن المعركة الحقيقية ليست بين التاجر والإدارة، بل بين زمنين مختلفين: زمن قديم قائم على الضبابية والعلاقات والوعود المؤجلة، وزمن جديد يحاول فرض الحد الأدنى من الوضوح والمسؤولية. وبين الزمنين، يقف البعض تائهًا مثل شخصيات “جزيرة الشاكرباكربن”، يصرخ ضد النظام نهارًا، ثم يفاوضه سرًا عند أول منعطف للمصلحة. وفي النهاية، قد يختلف الجميع حول القرارات والإجراءات، لكن شيئًا واحدًا صار واضحًا فوق أرصفة الموانئ: البحر تغيّر، وقواعد اللعبة تغيّرت معه. ومن لا يزال يعتقد أن الفوضى يمكن أن تستمر إلى الأبد، سيكتشف متأخرًا أنه لم يكن يقاتل من أجل المهنة… بل كان فقط يدافع عن حقه في البقاء داخل جزيرة الشاكرباكربن.
وفي خضم هذا العبث الذي يُشبه كثيرًا العوالم الرمزية لفيلم الحاكم العام لجزيرة الشاكرباكربن، يأتي خبر رحيل المخرج المغربي نبيل لحلو يوم أمس الخميس، ليُعيد إلى الواجهة قيمة ذلك الفن الذي كان يقرأ المجتمع بعيون ساخرة وموجوعة في آن واحد. رحل نبيل لحلو، لكن أعماله ظلت حيّة لأنها لم تكن مجرد أفلام، بل مرايا تعكس تناقضات الواقع المغربي بكل جرأة وعمق. استطاع أن يحوّل السخرية إلى أداة تشريح، وأن يجعل من التراجيديا الهزلية لغة فنية تكشف المستور دون خطب مباشرة أو شعارات مستهلكة. وبرحيله، تفقد الساحة الثقافية المغربية واحدًا من أكثر الأصوات السينمائية تمردًا وخصوصية، مخرجًا اختار أن يسبح دائمًا عكس التيار، وأن يترك خلفه إرثًا فنيًا سيظل حاضرًا كلما عاد المجتمع لطرح أسئلته القديمة نفسها، داخل جزر العبث التي لا تنتهي.