البحر أنفو – 26/05/2026 طرائف بحرية في واحدة من الطرائف التي لا تُنسى في عالم الصيد البحري بسواحل أكادير تحكي الذاكرة المهنية لبحّارة صيد السردين قصة مركب خرج من الورش الجف حيث كان يخضع للصيانة” نزل من الباراسيون” وهو يحمل على متنه طاقماً أنهكته الترقبات أكثر مما أنهكته الرحلات البحرية.
فبعد فترة طويلة من التوقف بسبب الإصلاحات، عاد المركب إلى البحر في توقيت حساس، تزامن مع اقتراب عيد الأضحى، حيث كانت الأنظار كلها معلقة على “بياخِي” جيد يعين البحّارة على تحقيق متطلبات العيد وخاصة “الحولي”. غير أن الواقع لم يكن في مستوى التطلعات، إذ كانت وفرة الأسماك ضعيفة بشكل ملحوظ في سواحل أكادير وسيدي إفني، ما دفع الربان إلى التوجه نحو طانطان على أمل تغيير الحظ البحري.
الطاقم استجاب للرحلة، رغم ما كان يخيّم عليهم من قلق، خاصة وأن غالبية المراكب كانت تعود بخيبات متتالية” مكاين غا التزراف“، في ظل ضعف واضح في المصايد، وغياب المؤشرات التي تبشر بصيد وفير. ومع توالي الأيام، بدأ الإحباط يتسلل إلى نفوس البحارة، إلى درجة أن بعضهم فضّل العودة إلى أكادير عبر البر، تاركين المركب في رحلة العودة مع طاقم أقل عدداً.
لكن ما لم يكن في الحسبان حدث في طريق العودة من طانطان نحو أكادير. فبينما كان المركب يشق طريقه في أجواء يغلب عليها اليأس، التقط الربان إشارات غير معتادة على جهاز الرادار، ما جعله يطلب من مساعده” الخليفة“تخفيف السرعة والاستعداد لتغيير المسار. لحظات من الصمت والتوجس خيّمت على الطاقم، خاصة مع قلة التجربة العددية داخل المركب “ المانك كثير“.
رغم التشكيك والارتباك، أصر الربان على متابعة “التماركية” وهو لايصدق عينيه متسائلا، كيفاش واش هادشي حوت، ما يمكنش ؟ مؤكداً أن هناك مؤشرات إيجابية تستحق المحاولة. وبإصرار مهني، “دار دوسمون” أي انقص من سرعة المحرك و قرر ” يدير كالا على الله” “ ياربحة يا دبحة، وما يديها غا زعيم أو مرضي الوالدين” أطلق نداء الاستعداد لرمي الشباك،ليستو، ليستو في خطوة بدت للبعض مغامرة، و” تمارة ” في وقت كان فيه كل شيء يوحي بالعكس.
مع بداية سحب الشباك، بدأت علامات الارتباك تظهر داخل الطاقم، إذ لم تُرصد في البداية أي حركة واضحة ولا “رشم” يدل على وجود سمك، وهو ما عمّق الإحساس بالفشل وأعاد إلى الأذهان خيبات الأيام السابقة. ومع استمرار رفع الشباك ببطء، بدا أن النتيجة لن تكون مختلفة، وأن الرحلة ستنتهي كما بدأت، خالية من أي حصيلة تُذكر.
لكن مع اقتراب الشباك من سطح المركب، بدأت المفاجأة تظهر تدريجيًا، حين لاحظ البحارة وجود حبات من الكلمار عالقة في عيون الشباك. فتسابقوا عليها لجمعها كما يفعلون دائما للاصناف السمكية الأخرى التي يجدها البحارة مع الاسماك السطحية الصغيرة ، في البداية لم يصدق الجميع ما يرونه، خاصة أن التوقع كان منصبًا على السردين لكن الانشوبة بشكل أكبر لأنها تخضع للبيع بالدلالة، غير أن المشهد سرعان ما تحول من شك إلى يقين، بعدما صاح ” مول لفلوكة الرايس عامرة بكلمار ” وبالفعل بدأت كميات الكلمار في الظهور بشكل متزايد داخل البوتصان.
في تلك اللحظات، اختلطت الدهشة بالفرح داخل المركب، وتبدلت الأجواء بشكل كامل، حيث بدأ الطاقم يستوعب أن الصيد الذي بين أيديهم ليس عاديًا، بل صيد ثمين من الكلمار الذي يتميز بقيمته التجارية العالية. ومع استمرار رفع الكمية، أعطى الربان تعليماته بتأمين الحمولة بشكل جيد، بينما كانت علامات الارتياح واضحة على وجوه البحارة الذين لم يتوقعوا هذا التحول المفاجئ.
بعد الانتهاء من عمليات “ التقوبية“، شد المركب طريقه نحو ميناء أكادير، محمّلًا بحصيلة فاقت كل التوقعات، سواء من حيث الجودة أو المردودية المالية. وعند الوصول إلى الميناء، تم تفريغ الحمولة وبيعها بأثمنة جيدة، ما جعل هذه الرحلة تُسجل كواحدة من الرحلات الناجحة رغم بدايتها الصعبة وظروفها غير المطمئنة.
وفي المقابل، تحوّل قرار بعض البحارة الذين اختاروا العودة عبر الطريق البري إلى مادة للندم، بعدما تبين أن المركب الذي غادروه في طانطان عاد بصيد غير متوقع وبحصيلة مالية فاقت توقعات الكثيرين، في واحدة من تلك المفارقات التي لا يمنحها البحر إلا لمن يغامر ويصبر.
قصة تختزل الكثير من تفاصيل المهنة: تعب، شك، مفاجآت، وأمل لا يموت في أعماق البحر..
وهكذا، بقيت هذه القصة عالقة في ذاكرة البحارة، تُروى كإحدى مفارقات البحر التي لا تخضع دائمًا للحسابات، وتؤكد مرة أخرى أن المهنة لا تعرف اليقين، وأن الأمل قد يتأخر لكنه قد يأتي في اللحظة التي لا يتوقعها أحد.