عاجل
1 يونيو 2026 على الساعة 16:37

الصيد البحري المغربي:قطاع بثقل الفولاذ و تمثيلية بوزن الريشة؟ ثروة استراتيجية تُدار بعقلية تقليدية…فبين الدعم والضغط، لماذا يُستثنى الصيد البحري من الإنصاف الاقتصادي

البحر أنفو – 01/06/2026 في قطاع الصيد البحري المغربي، تطرح اليوم أسئلة حارقة أكثر مما تقدم أجوبة. قطاع بحمولة اقتصادية ثقيلة، يشغل آلاف البحارة، يساهم في جلب العملة الصعبة، ويغذي دينامية تجارية وصناعية تمتد من الموانئ إلى الأسواق العالمية… لكنه، رغم كل ذلك، يعيش مفارقة صادمة: حضور قوي في الاقتصاد، وضعف واضح في التمثيلية والإنصاف والتأطير المؤسساتي.

كيف يعقل أن قطاعاً بهذا الحجم الاستراتيجي لا يتوفر إلا على مستشارين برلمانيين اثنين فقط، في حين أن قطاع الفلاحة، رغم أهميته، يحظى بخمسة مستشارين، داخل نفس الحقيبة الحكومية؟ أليس هذا الاختلال في التمثيلية مدخلاً لاختلال أكبر في القرار العمومي نفسه؟ أليست التمثيلية البرلمانية اليوم جزءاً من ميزان القوة بين القطاعات، ومن يملك الصوت الأقوى يملك التأثير الأقوى؟

المفارقة تتعمق أكثر حين نقارن بين طبيعة الدعم العمومي الموجه للقطاعات. الفلاحة تستفيد من منظومة دعم واسعة: الحبوب، الأبقار، الأغنام، الأعلاف، الأسمدة، ودعم مباشر للفلاح والكساب والإنتاج… في المقابل، يعيش قطاع الصيد البحري وضعاً مختلفاً تماماً، حيث تتحول آليات العمل نفسها إلى عبء ضريبي ثقيل، من خلال الضرائب والرسوم على المعدات المستوردة، في وقت كان من المفترض فيه تشجيع الاستثمار وتحديث الأسطول البحري بدل إضعافه.

أليس من المنطقي أن يتم إعفاء وسائل الإنتاج البحرية من الضغط الضريبي، مادامت هي أساس خلق الثروة البحرية؟ وكيف يمكن الحديث عن تنافسية قطاعية في ظل كلفة مرتفعة على التجهيزات، مقابل غياب حوافز حقيقية لتجديد الأسطول ؟

ثم نصل إلى سؤال أعمق: لماذا لا يتم تشجيع بناء مراكب الصيد داخل المغرب بشكل جدي؟ المغرب الذي أبان عن قدرات صناعية بحرية واعدة، من خلال تجارب حقيقية في بناء سفن بأكادير وجهت حتى للأسواق الأوروبية بدقة تقنية عالية، إضافة إلى تجارب أخرى في التصدير نحو إفريقيا، فضلاً عن ورش طانطان الذي شكل استثناءً لافتاً عبر تصنيع سفن صيد بمعايير دولية وخافرات لصالح مؤسسات أمنية وقوارب موجهة للسدود… كيف يُعقل أن تبقى هذه الطاقات غير مؤطرة ضمن استراتيجية وطنية واضحة؟

أليست هذه النماذج دليلاً عملياً على أن المغرب قادر على بناء صناعة بحرية متكاملة؟ فلماذا يبقى الأسطول البحري في جزء كبير منه رهين استيراد سفن متقادمة أو “خردة بحرية”، بدل بناء أسطول وطني حديث يعكس الطموح الصناعي للبلاد؟

في الخلفية، يبرز إشكال آخر لا يقل خطورة: إشكال التمثيليات المهنية. قطاع يفترض فيه أن يكون ممثلوه صوت المهنيين، تحول في بعض الحالات إلى فضاء لتمثيليات تقليدية جامدة، لا تعكس عمق التحولات التي يعرفها القطاع. بل إن جزءاً من الفاعلين اليوم يطرح تساؤلات حول طبيعة دخول بعض الاستثمارات الجديدة إلى المجال، في غياب مسارات مهنية واضحة أو امتداد طبيعي داخل القطاع، وهو ما غذّى شعوراً عاماً بوجود اختلال في موازين الفرص داخل المنظومة البحرية.

هنا يصبح السؤال أكثر جرأة: من يمثل فعلاً مهنيي الصيد البحري اليوم؟ وهل التمثيلية الحالية قادرة على مواكبة التحولات الكبرى التي يعرفها الاقتصاد الأزرق، أم أنها أصبحت جزءاً من المشكلة بدل أن تكون جزءاً من الحل؟

قطاع الصيد البحري اليوم لا يحتاج فقط إلى ترقيعات تقنية أو قرارات ظرفية، بل إلى مراجعة عميقة للبنية القانونية والتنظيمية، وإلى إعادة التفكير في قانون الصيد البحري نفسه بما يواكب التحولات الاقتصادية والبيئية الدولية. كما أن الحاجة ملحة إلى إعادة النظر في التمثيلية، ليس فقط من حيث العدد، بل من حيث الجودة والشرعية المهنية والقدرة على الدفاع عن مصالح القطاع.

اليوم، ومع كل هذه التحديات، يبرز سؤال كبير لا يمكن تجاوزه:
هل يمكن الحديث عن تنمية بحرية حقيقية دون تمثيلية قوية، ودون صناعة بحرية وطنية، ودون عدالة في الدعم بين القطاعات داخل نفس الدولة؟

أسئلة معلقة، لكنها في عمقها تختصر أزمة قطاع كامل يعيش بين إمكانات هائلة… وواقع مثقل بالتناقضات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *