عاجل
13 يونيو 2026 على الساعة 12:08

مفاوضات تحت المجهر.. “هيونداي” على بعد خطوة من السيطرة على واحد من أكبر أحواض السفن بالدار البيضاء

البحر أنفو 13/06/2026 صفقة على المحك.. مفاوضات متقدمة لإعادة تشكيل المشهد البحري الصناعي بالدار البيضاء

تشهد مدينة الدار البيضاء في الوقت الراهن حراكاً اقتصادياً وصناعياً متسارعاً حول واحد من أكثر المشاريع البحرية طموحاً في تاريخها الحديث، حيث دخلت المفاوضات بين الحكومة المغربية ومجموعة “HD Hyundai Heavy Industries” الكورية الجنوبية مرحلة متقدمة، بهدف منح امتياز تطوير وتدبير الحوض الجديد لبناء وإصلاح السفن.

هذا المشروع، الذي يُرتقب أن يُدار في إطار شراكة مع شركة مغربية “Somagec”، لا يُنظر إليه فقط كبنية تحتية صناعية، بل كأداة لإعادة تشكيل موقع الدار البيضاء داخل خريطة الصناعات البحرية في المحيط الأطلسي، بما يفتح الباب أمام انتقال نوعي من اقتصاد الموانئ التقليدي إلى اقتصاد الخدمات البحرية المتقدمة.

وتدور المفاوضات الحالية حول شروط الامتياز الذي قد يمتد لنحو 30 سنة، في نموذج يجمع بين التطوير والاستغلال والصيانة، وهو ما يعكس طبيعة الرهان المطروح: ليس فقط إنشاء منشأة، بل بناء منظومة تشغيل طويلة الأمد تتحكم في تدفقات الإصلاح والبناء البحري.

المعطيات التقنية للمشروع تكشف بدورها حجم الطموح المعلن، إذ يمتد الحوض على مساحة تقارب 210 آلاف متر مربع، مع تجهيزات متقدمة تشمل حوضاً جافاً بطول 244 متراً وعرض 40 متراً، ومنصة رفع قادرة على التعامل مع سفن يصل وزنها إلى 9 آلاف طن، إضافة إلى رافعة جسرية بسعة 450 طناً، وأرصفة تتجاوز 800 متر.

وتُقدَّر الكلفة الإجمالية للاستثمار بأكثر من 300 مليون دولار، في مشروع يراهن على تحويل الدار البيضاء إلى نقطة ارتكاز إقليمية في صيانة وبناء السفن التجارية والعسكرية، بما يعزز موقع المغرب داخل سلاسل القيمة البحرية الممتدة بين أوروبا وإفريقيا والمحيط الأطلسي.

غير أن المنافسة على هذا الامتياز لا تبدو محسومة، إذ تواجه المجموعة الكورية عروضاً أوروبية وآسيوية متعددة، من بينها تحالفات إيطالية وصينية–إسبانية–مغربية، في سباق يعكس حجم الرهانات الاقتصادية والاستراتيجية المرتبطة بالمشروع.

ومع ذلك، تمتلك “HD Hyundai” أوراق قوة واضحة، أبرزها خبرتها الطويلة في الصناعات البحرية الثقيلة وإدارتها لمشاريع مماثلة في آسيا، إضافة إلى قدرتها على إدماج الدار البيضاء في شبكات إصلاح دولية متقدمة، ما يمنحها أفضلية نسبية في ميزان التقييم.

لكن العرض الكوري لا يقتصر على البعد التقني أو الاستثماري فقط، بل يتجاوزه إلى مقاربة أشمل تقوم على نقل التكنولوجيا وتطوير الكفاءات المحلية، عبر شراكات مع مؤسسات التكوين المغربية، إلى جانب دعم نشوء شبكة من الموردين المحليين في الصناعات البحرية، وهو ما ينسجم مع منطق بناء منظومة صناعية متكاملة بدل الاكتفاء بمنشأة معزولة.

في خلفية هذا المشهد، يبدو أن المشروع لا يُدار فقط بمنطق التنمية الصناعية، بل أيضاً بمنطق التموضع الاستراتيجي داخل سوق بحرية دولية شديدة التنافسية، حيث لا يكفي امتلاك البنية التحتية، بل يجب التحكم في المعرفة التقنية وسلاسل القيمة والقرار التشغيلي.

وبين طموح التحول الصناعي ورهانات السيطرة على مفاتيح الاقتصاد البحري، يمضي مشروع حوض الدار البيضاء نحو لحظة حاسمة قد تحدد ليس فقط شكل الميناء، بل موقع المغرب داخل هندسة الاقتصاد البحري في العقود المقبلة.
إ.ع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *