البحر أنفو – 13/06/2026 اكتشاف غير مسبوق لهيدرات ثاني أكسيد الكربون في أعماق المحيط الهندي يفتح آفاقاً جديدة لفهم تخزين الكربون وتأثيراته البيئية
في اكتشاف علمي يُعد من بين الأبرز في مجال علوم المحيطات والمناخ خلال السنوات الأخيرة، أعلن فريق دولي من الباحثين عن رصد أكثر من 120 تجمعاً لهيدرات ثاني أكسيد الكربون في قاع المحيط الهندي قبالة سواحل جزيرة مايوت الفرنسية، في موقع بحري يعرف باسم “فير آ شوفال” (Fer à Cheval)، على بعد نحو عشرة كيلومترات شرق جزيرة “بيتيت تير”.
ويكتسي هذا الاكتشاف أهمية استثنائية، كونه يمثل أول توثيق علمي لتجمعات مستقرة وكبيرة الحجم من هيدرات ثاني أكسيد الكربون في قاع المحيط على مدى عدة سنوات، وهو ما يجعل الموقع مختبراً طبيعياً فريداً لدراسة آليات التخزين المؤقت للكربون في البيئات البحرية العميقة وتأثيرات تحمّض المحيطات على التنوع البيولوجي.
وقد نُشرت نتائج الدراسة في مجلة “Nature Geoscience” المرموقة، ثمرة تعاون علمي دولي ضم المعهد الفرنسي لبحوث استغلال البحار (Ifremer)، ومعهد الفيزياء الأرضية بباريس (IPGP)، والمركز الفرنسي للطاقة الذرية والطاقات البديلة (CEA)، والمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS)، والإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA)، إلى جانب جامعة ميلانو الإيطالية.
هيدرات الكربون.. جليد يحتوي على غاز الدفيئة
الهيدرات هي مركبات صلبة تشبه الجليد، تتكون من الماء وجزيئات الغاز المحتجزة داخل بنيتها البلورية. وفي الظروف الطبيعية، تكون معظم الهيدرات البحرية المعروفة غنية بغاز الميثان، بينما يُعد العثور على هيدرات مكونة من ثاني أكسيد الكربون أمراً نادراً للغاية في البيئات البحرية الطبيعية.
وكشفت الدراسة أن هذه التراكيب تظهر على شكل قباب وتجمعات صلبة يتراوح ارتفاعها بين بضعة سنتيمترات ومترين، وتتكون من قطرات متجمعة من ثاني أكسيد الكربون السائل، غلفتها طبقة صلبة تشكلت نتيجة التقاء الغاز بمياه باردة جداً تحت ضغط مرتفع.
ويرى الباحثون أن هذه التكوينات تطرح تساؤلات علمية جديدة حول قدرة المحيطات على احتجاز الكربون بشكل طبيعي لفترات زمنية طويلة نسبياً، كما قد تسهم في إثراء النقاشات العلمية المتعلقة ببعض تقنيات الهندسة الجيولوجية المقترحة لمواجهة التغير المناخي من خلال عزل ثاني أكسيد الكربون عن الغلاف الجوي.
بيئة بحرية استثنائية في قلب نشاط بركاني نشط
تم اكتشاف هذه الهيدرات داخل بنية بركانية نشطة تقع على عمق يقارب 1400 متر تحت سطح البحر، ضمن سلسلة البراكين البحرية الممتدة شرق جزيرة مايوت وصولاً إلى البركان البحري “فاني ماوري”، الذي ظهر إلى الوجود خلال الأزمة الزلزالية والبركانية التي شهدتها المنطقة ابتداءً من سنة 2018.
ويتميز موقع “فير آ شوفال” بكونه حوضاً شبه مغلق تحيط به منحدرات يصل ارتفاعها إلى 250 متراً، ما يسمح بتراكم غاز ثاني أكسيد الكربون المنبعث من باطن الأرض في قاع البحر وفق دورات مرتبطة بحركة المد والجزر.
كما تتوفر في الموقع شروط فيزيائية مثالية لتكوين الهيدرات، تتمثل في درجات حرارة منخفضة لا تتجاوز أربع درجات مئوية وضغط هائل ناتج عن عمود المياه فوق الموقع، وهي ظروف تسمح بتحول ثاني أكسيد الكربون السائل إلى تراكيب صلبة مستقرة نسبياً.
ارتباط محتمل بالنشاط البركاني الحديث
ويرجح العلماء أن تكون هذه الانبعاثات الكثيفة لثاني أكسيد الكربون مرتبطة بشكل مباشر بالأزمة البركانية التي أدت إلى تشكل بركان “فاني ماوري” سنة 2019، والتي تعتبر واحدة من أكبر الظواهر البركانية البحرية المسجلة خلال العقود الأخيرة.
ورغم تراجع النشاط البركاني للبركان الجديد منذ عام 2021، فإن موقع “فير آ شوفال” ما يزال يشهد نشاطاً جيولوجياً ملحوظاً يتمثل في الهزات الزلزالية والانبعاثات المستمرة للسوائل والغازات القادمة من باطن الأرض، وخاصة ثاني أكسيد الكربون.
وفي إطار متابعة تطور هذه الظاهرة، أعادت بعثة علمية مشتركة بين Ifremer ومؤسسة OceanX زيارة الموقع سنة 2025 باستخدام الروبوت البحري “أرغوس” المثبت على متن سفينة الأبحاث OceanXplorer، حيث أظهرت المعاينات أن تجمعات الهيدرات ما تزال مستقرة إلى حد كبير مقارنة بالمشاهدات الأولى المسجلة سنة 2021.
مختبر طبيعي لدراسة تحمّض المحيطات
ولا تقتصر أهمية هذا الموقع على دراسة دور المحيطات في احتجاز الكربون فحسب، بل تمتد أيضاً إلى فهم تأثيرات تحمّض المياه البحرية على الأنظمة البيئية العميقة.
فبحسب الباحثين، يؤدي تسرب ثاني أكسيد الكربون إلى زيادة حموضة البيئة المحيطة، ما قد ينعكس سلباً على الكائنات البحرية الحساسة لهذه التغيرات الكيميائية. وقد تم بالفعل رصد نحو عشرين نوعاً من الكائنات القريبة من مجموعة الشعاب المرجانية في المنطقة، مع تسجيل نسب نفوق أعلى بالقرب من تجمعات الهيدرات مقارنة بالمناطق المجاورة.
ويرى العلماء أن الموقع يمثل نموذجاً طبيعياً فريداً لدراسة قدرة الكائنات البحرية على التكيف مع ارتفاع مستويات الحموضة، وهي إحدى النتائج المباشرة المتوقعة لاستمرار ارتفاع تركيزات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي وامتصاص المحيطات لكميات متزايدة منه.
آفاق علمية ومناخية واعدة
ويؤكد الباحثون أن المتابعة طويلة الأمد لهذا الموقع ستوفر معطيات غير مسبوقة حول دينامية تشكل هيدرات ثاني أكسيد الكربون وذوبانها، ومدى قدرتها على تخزين الكربون لفترات زمنية ممتدة، فضلاً عن فهم انعكاساتها البيئية على النظم الإيكولوجية البحرية.
ويُنظر إلى هذا الاكتشاف باعتباره نافذة علمية استثنائية لفهم أحد أكثر التحديات المناخية إلحاحاً في القرن الحادي والعشرين، والمتمثل في إيجاد آليات طبيعية وآمنة للحد من تراكم غازات الاحتباس الحراري، مع الحفاظ في الوقت نفسه على التوازنات البيئية الدقيقة داخل المحيطات