البحر أنفو – 15/06/2026 أخبار دولية تشهد إسبانيا تحولاً مهماً في سياساتها المتعلقة بحماية البيئة البحرية، بعد إعلان وصول نسبة المناطق البحرية المحمية إلى 22,5% من إجمالي مياهها الإقليمية، في إطار مشروع أوروبي واسع النطاق يُعرف باسم “Life Intemares”، والذي يُعد من أبرز المشاريع العلمية في مجال حماية التنوع البيولوجي البحري خلال العقد الأخير. ويأتي هذا الإنجاز نتيجة مسار طويل امتد لأكثر من عشر سنوات من العمل الميداني والعلمي والتنسيق بين مختلف الفاعلين المؤسساتيين والمهنيين.
وقد اعتمد هذا المشروع على مقاربة علمية دقيقة تقوم على جمع البيانات ودراسة النظم البيئية البحرية بشكل معمّق، بهدف تحديد المناطق ذات القيمة البيولوجية العالية واتخاذ قرارات مبنية على أسس علمية واضحة. وبهذا النهج، لم يعد تصنيف المناطق البحرية المحمية إجراءً إدارياً فقط، بل أصبح ثمرة عمل علمي مشترك يشارك فيه خبراء من معاهد الأبحاث والجامعات والمراكز التقنية، إلى جانب الإدارات العمومية والقطاع المهني للصيد البحري والمنظمات البيئية.
وخلال السنوات الماضية، ساهم المشروع في إعلان 12 منطقة بحرية جديدة ضمن شبكة “Natura 2000” الأوروبية، وهو ما اعتُبر خطوة مهمة نحو تعزيز حماية النظم البيئية البحرية الهشة، وتقوية قدرات التدبير المستدام للموارد البحرية. كما يندرج هذا التطور ضمن هدف أوسع تسعى إسبانيا إلى تحقيقه، والمتمثل في بلوغ نسبة 30% من المساحات البحرية المحمية بحلول سنة 2030، انسجاماً مع التزاماتها البيئية على المستوى الأوروبي والدولي.
ويبرز من خلال التجربة الإسبانية أن حماية البحر لم تعد مجرد خيار بيئي معزول، بل أصبحت سياسة عمومية قائمة على التكامل بين العلم وصناعة القرار. فقد أظهر المشروع أن اعتماد المعرفة العلمية الدقيقة، إلى جانب إشراك الفاعلين المحليين، خصوصاً الصيادين والمهنيين المرتبطين مباشرة بالأنشطة البحرية، يساهم في تحسين فعالية التدبير وضمان استدامة الموارد البحرية على المدى الطويل.

كما أن أحد الأبعاد المهمة لهذا المشروع يتمثل في تعزيز التعاون بين المؤسسات العلمية والهيئات المهنية، حيث شارك في تنفيذه عدد من المعاهد والجامعات والمراكز البحثية المتخصصة، إلى جانب مؤسسات بيئية وشركاء من القطاع البحري. وقد سمح هذا التعاون بإرساء قاعدة بيانات علمية واسعة حول التنوع البيولوجي البحري، ودعم اتخاذ قرارات أكثر دقة في ما يتعلق بتحديد مناطق الحماية وتدبيرها.
ولم يقتصر المشروع على الجانب البيئي فقط، بل شمل أيضاً بعداً اجتماعياً وتوعوياً، حيث تم العمل على تعزيز وعي المواطنين بأهمية الحفاظ على المحيطات ودورها في التوازن البيئي العالمي. وتم التأكيد في هذا السياق على أن صحة البحر ترتبط بشكل مباشر بجودة الحياة اليومية للإنسان، سواء من حيث المناخ أو الموارد الغذائية أو استقرار النظم البيئية.
وخلال عشر سنوات من التنفيذ، تمكن مشروع “Life Intemares” من تعبئة أكثر من 45 مليون يورو إضافية لدعم مبادرات حماية البيئة البحرية، إضافة إلى إشراك أكثر من 15 ألف شخص يمثلون حوالي 2000 مؤسسة في عمليات تشاركية، وتكوين أكثر من 6300 مهني في مجالات مرتبطة بتدبير وحماية الوسط البحري. هذه الأرقام تعكس حجم الجهد المبذول والطابع التشاركي الذي ميز هذا النموذج.
ويُنظر إلى هذه التجربة باعتبارها تحولاً نوعياً في طريقة تدبير المجال البحري في إسبانيا، حيث أصبح العلم هو الأساس في اتخاذ القرار، وأصبح التعاون بين مختلف الفاعلين شرطاً ضرورياً لنجاح أي سياسة بيئية مستدامة. ومع اقتراب البلاد من هدف 30% من الحماية البحرية في أفق 2030، يبرز هذا النموذج كخيار استراتيجي يجمع بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على البيئة، في إطار رؤية طويلة المدى لضمان استدامة الموارد البحرية للأجيال القادمة.