البحر أنفو – 17/06/2026 ملف الصيد في البحر الأبيض المتوسط يواصل إشعال الجدل بين مدريد وبروكسيل متابعة:
لا يزال ملف الصيد البحري في البحر الأبيض المتوسط يشكل أحد أكثر القضايا حساسية داخل الأوساط المهنية والسياسية بإسبانيا، في ظل استمرار الجدل حول عدد أيام الصيد المسموح بها لأساطيل الجر خلال سنة 2026. ورغم التوصل إلى اتفاق مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي يتيح للأسطول الإسباني مواصلة نشاطه لمدة 143 يوماً، فإن النقاش حول مستقبل هذا النشاط الحيوي لم ينته، خاصة مع استمرار الضغوط الأوروبية الرامية إلى تقليص مجهود الصيد حفاظاً على المخزونات السمكية.
ويأتي هذا الملف في سياق مواجهة طويلة بين الدول المتوسطية والهيئات الأوروبية المكلفة بتدبير المصايد البحرية، حيث دأبت المفوضية الأوروبية خلال السنوات الأخيرة على اقتراح تخفيضات متتالية في عدد أيام الصيد الممنوحة لأساطيل الجر، استناداً إلى توصيات علمية تدعو إلى حماية الأنواع البحرية المهددة بالاستنزاف وإعادة بناء المخزونات السمكية في حوض البحر الأبيض المتوسط.
وخلال المفاوضات الأخيرة الخاصة بسنة 2026، واجهت إسبانيا مقترحاً أوروبياً وصفه المهنيون بـ”القاسي”، بعدما كان من شأنه تقليص عدد أيام الصيد بشكل كبير، الأمر الذي اعتبرته المنظمات المهنية تهديداً مباشراً لاستمرار مئات السفن وآلاف مناصب الشغل المرتبطة بقطاع الصيد البحري. وقد خاضت مدريد، مدعومة بعدد من الدول المتوسطية الأخرى، جولة مفاوضات شاقة انتهت بالحفاظ على سقف 143 يوماً من النشاط بالنسبة لأساطيل الجر.
ويعتبر هذا الاتفاق بمثابة انتصار نسبي للحكومة الإسبانية وللقطاع المهني، إذ سمح بتفادي سيناريو كان سيؤدي إلى تراجع كبير في المداخيل وإضعاف القدرة التنافسية للأساطيل العاملة في السواحل المتوسطية. غير أن العديد من الفاعلين يعتبرون أن الوضع لا يزال هشاً، بالنظر إلى إمكانية إعادة طرح التخفيضات خلال السنوات المقبلة في إطار السياسات الأوروبية الرامية إلى تحقيق الاستدامة البيئية.
وتكتسي هذه القضية أهمية خاصة بالنسبة للموانئ الواقعة على الساحل المتوسطي الإسباني، والتي تعتمد بشكل كبير على نشاط سفن الجر في تأمين فرص الشغل وتزويد الأسواق بالمنتجات البحرية. ويؤكد المهنيون أن أي تقليص إضافي في عدد أيام العمل ستكون له انعكاسات مباشرة على الاقتصاد المحلي وعلى سلاسل التوريد المرتبطة بقطاع الصيد وتثمين المنتجات البحرية.
في المقابل، تدافع المؤسسات الأوروبية عن نهجها القائم على تقليص مجهود الصيد باعتباره ضرورة علمية لضمان استدامة الموارد البحرية على المدى الطويل. وتشير الدراسات التي تستند إليها المفوضية الأوروبية إلى أن عدداً من الأرصدة السمكية في البحر الأبيض المتوسط لا يزال يعاني من ضغوط كبيرة نتيجة عقود من الاستغلال المكثف، ما يستدعي مواصلة الإجراءات الرامية إلى إعادة التوازن البيولوجي للمصايد.
وبين متطلبات الحفاظ على الثروة السمكية وضمان استمرارية النشاط الاقتصادي للمهنيين، تجد السلطات الإسبانية نفسها أمام معادلة معقدة تتطلب إيجاد توازن دقيق بين البعدين البيئي والاجتماعي. ولهذا السبب تواصل مدريد المطالبة بأخذ الخصوصيات الاقتصادية للمناطق الساحلية بعين الاعتبار عند وضع السياسات الأوروبية الخاصة بالصيد، مع التشديد على ضرورة مواكبة أي إجراءات تقييدية ببرامج دعم مالي وتقني لفائدة الأساطيل المتضررة.
ويرى مراقبون أن الجدل حول عدد أيام الصيد في البحر الأبيض المتوسط يعكس في العمق صراعاً متواصلاً بين منطق الحفاظ على الموارد الطبيعية ومنطق الحفاظ على استدامة المقاولات البحرية ومناصب الشغل. كما يؤكد أن مستقبل الصيد البحري الأوروبي سيظل رهيناً بقدرة مختلف الأطراف على التوصل إلى حلول توافقية تضمن حماية الثروة السمكية دون الإضرار بالبعد الاجتماعي والاقتصادي للقطاع.
ومع دخول سنة 2026، يبدو أن الاتفاق الذي سمح بالحفاظ على 143 يوماً من النشاط قد وفر هدنة مؤقتة للأسطول الإسباني، لكنه لم ينهِ النقاش حول مستقبل الصيد في البحر الأبيض المتوسط، الذي سيبقى أحد أبرز الملفات المطروحة على طاولة المفاوضات الأوروبية خلال السنوات المقبلة.