البحر أنفو – 17/06/2026 الرقابة الأوروبية على الصيد البحري تدخل مرحلة جديدة: التكنولوجيا الذكية والطائرات المسيرة في مواجهة الصيد غير القانوني
دخلت الرقابة على أنشطة الصيد البحري داخل الاتحاد الأوروبي مرحلة جديدة عنوانها التشديد والرقمنة، بعدما أعلنت الوكالة الأوروبية لمراقبة الصيد (EFCA)، التي تتخذ من مدينة فيغو الإسبانية مقراً لها، عن تنفيذ أكثر من 48 ألف عملية تفتيش ومراقبة خلال سنة 2025، بزيادة بلغت 5 في المائة مقارنة بالسنة التي سبقتها. ويعكس هذا الرقم حجم الجهود التي تبذلها المؤسسات الأوروبية لتعزيز احترام القوانين المنظمة لقطاع الصيد البحري وحماية المخزونات السمكية التي تواجه ضغوطاً متزايدة بفعل الاستغلال المكثف والتغيرات المناخية.
وتأتي هذه الدينامية الجديدة في سياق تنامي المخاوف بشأن استدامة الموارد البحرية في مختلف الأحواض الأوروبية، حيث أصبح الصيد غير القانوني وغير المصرح به وغير المنظم أحد أبرز التحديات التي تواجه السياسات البحرية الأوروبية. فهذه الممارسات لا تهدد فقط التوازنات البيئية البحرية، بل تتسبب أيضاً في خسائر اقتصادية كبيرة للمهنيين الذين يلتزمون بالقوانين، وتؤثر على قدرة الدول الساحلية على تدبير ثرواتها السمكية بشكل مستدام.
وفي مواجهة هذه التحديات، اختارت الوكالة الأوروبية لمراقبة الصيد تسريع وتيرة التحول الرقمي داخل منظومة المراقبة البحرية. فلم تعد عمليات التفتيش تعتمد حصرياً على الدوريات البحرية التقليدية أو المراقبين المتواجدين بالموانئ، بل أصبحت ترتكز بشكل متزايد على منظومة متكاملة من التقنيات الحديثة التي تسمح بتتبع تحركات سفن الصيد بشكل لحظي وتحليل كميات هائلة من المعطيات المرتبطة بأنشطتها. ويشمل ذلك أنظمة المراقبة عبر الأقمار الصناعية وأجهزة تحديد المواقع المثبتة على متن السفن، بالإضافة إلى برامج متطورة لتحليل البيانات واكتشاف الأنماط غير الاعتيادية التي قد تشير إلى وقوع مخالفات.
ومن بين أبرز المستجدات التي طبعت سنة 2025، التوسع الملحوظ في استخدام الطائرات بدون طيار ضمن عمليات المراقبة البحرية. فقد أثبتت هذه الوسائل فعاليتها في تغطية مساحات بحرية شاسعة بسرعة وكفاءة أكبر، كما تتيح جمع صور ومعطيات دقيقة حول أنشطة السفن في المناطق البعيدة عن السواحل. وتوفر الطائرات المسيرة للجهات الرقابية إمكانية التحقق من احترام مناطق الصيد المسموح بها ورصد أي تجاوزات محتملة، سواء تعلق الأمر بالدخول إلى مناطق محمية أو ممارسة أنشطة صيد خلال فترات الراحة البيولوجية أو استعمال معدات محظورة.
ويرى خبراء في السياسات البحرية أن اعتماد هذه الوسائل التكنولوجية يعكس تحولاً عميقاً في فلسفة الرقابة الأوروبية، حيث انتقلت من منطق التدخل بعد وقوع المخالفة إلى منطق الرصد الاستباقي والكشف المبكر عن التجاوزات. كما أن الذكاء الاصطناعي أصبح يلعب دوراً متزايد الأهمية في تحليل البيانات الواردة من الأقمار الصناعية والطائرات المسيرة وأنظمة التتبع، ما يسمح بتوجيه عمليات التفتيش نحو السفن أو المناطق الأكثر عرضة للمخالفات، وبالتالي رفع فعالية المراقبة وتقليص التكاليف التشغيلية.
وتكتسي هذه الإجراءات أهمية خاصة في ظل التزام الاتحاد الأوروبي بتعزيز الاستدامة البيئية وضمان تجدد الأرصدة السمكية على المدى الطويل. فنجاح السياسة المشتركة للصيد البحري يعتمد إلى حد كبير على احترام الحصص المحددة لكل نوع من الأسماك، وعلى التقيد بالقواعد المرتبطة بأحجام المصطادات والمواسم البيولوجية ومناطق الحماية البحرية. ومن هنا تعتبر المفوضية الأوروبية أن المراقبة الصارمة تشكل أداة أساسية للحفاظ على التوازن بين الاستغلال الاقتصادي للموارد البحرية ومتطلبات المحافظة على النظم البيئية.
ولا تقتصر آثار هذا التشدد الرقابي على أساطيل الصيد الأوروبية وحدها، بل تمتد أيضاً إلى الدول الشريكة التي تصدر منتجات الصيد نحو الأسواق الأوروبية. فالاتحاد الأوروبي يواصل تعزيز متطلبات التتبع والشفافية، ويشترط إثبات المصدر القانوني للمنتجات البحرية المستوردة، الأمر الذي يدفع العديد من البلدان إلى تحديث أنظمة المراقبة والتصريح بالمصطادات وتطوير آليات التتبع الرقمي لضمان استمرار ولوج صادراتها إلى واحدة من أكبر الأسواق العالمية للمنتجات البحرية.
ومع تزايد الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة وتنامي التعاون بين أجهزة المراقبة الوطنية والوكالة الأوروبية لمراقبة الصيد، يبدو أن الاتحاد الأوروبي يتجه نحو بناء نموذج رقابي أكثر صرامة وتطوراً، يعتمد على البيانات والذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة بقدر اعتماده على المفتشين والدوريات البحرية. وهو توجه يعكس قناعة متزايدة بأن حماية الثروات السمكية لم تعد مجرد خيار بيئي، بل أصبحت ضرورة اقتصادية واستراتيجية لضمان مستقبل قطاع الصيد البحري واستدامة الموارد البحرية في القارة الأوروبية.