البحر أنفو – 17/06/2026 الدار البيضاء تفتح ملف الأسماك السطحية الصغيرة.. نحو رؤية جديدة لتدبير أهم مصيدة بحرية بالمغرب متابعة:
تستعد مدينة الدار البيضاء لاحتضان محطة مفصلية في مسار التفكير الجماعي حول مستقبل الثروة السمكية الوطنية، من خلال تنظيم لقاء وطني موسع يوم 24 يونيو الجاري بمقر المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، سيخصص لمناقشة واقع وآفاق مصيدة الأسماك السطحية الصغيرة، التي تعد من بين أهم الركائز الاقتصادية والاجتماعية لقطاع الصيد البحري بالمملكة.
ويأتي هذا الموعد في ظرفية دقيقة تتزايد فيها التحديات المرتبطة باستدامة الموارد البحرية، في ظل التحولات المناخية المتسارعة والتغيرات التي تعرفها النظم البيئية البحرية، وما تفرضه من ضرورة مراجعة آليات التدبير التقليدية والبحث عن حلول أكثر قدرة على التكيف مع المعطيات الجديدة.
وتشكل مصيدة الأسماك السطحية الصغيرة، التي تضم أساساً السردين والأنشوبة والإسقمري والماكرو، القلب النابض لمنظومة الصيد البحري الوطنية، بالنظر إلى حجم إنتاجها ومساهمتها الكبيرة في تزويد الأسواق المحلية والصناعات التحويلية، فضلاً عن دورها المحوري في خلق فرص الشغل وتنشيط الدورة الاقتصادية بمختلف الموانئ الممتدة على طول الساحل المغربي.
ومن المنتظر أن يجمع هذا اللقاء ممثلين عن كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري، والمعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، وغرف الصيد البحري، والتنظيمات المهنية والجامعات الصناعية والفاعلين الاقتصاديين، إلى جانب خبراء وباحثين متخصصين، بهدف فتح نقاش موسع حول الوضعية الراهنة للمخزونات السمكية وتقييم فعالية التدابير المعتمدة حالياً في تدبير هذه المصيدة الاستراتيجية.
ويطمح المنظمون إلى جعل هذه الورشة فضاءً للحوار العلمي والمهني حول السبل الكفيلة بضمان استغلال مستدام للموارد البحرية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على تنافسية القطاع واستمرارية الأنشطة الاقتصادية المرتبطة به. كما ستشكل المناسبة فرصة لاستعراض نتائج برامج الرصد والتتبع العلمي التي ينجزها المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، والتي أصبحت تشكل قاعدة أساسية في توجيه القرارات المتعلقة بتدبير المصايد الوطنية.
وتكتسب هذه المشاورات أهمية متزايدة في ظل ما أفرزته الدراسات العلمية الحديثة من مؤشرات تؤكد التأثير المتنامي للتغيرات المناخية على توزيع الكتل السمكية وأنماط هجرتها وتكاثرها. وهو ما يفرض، بحسب العديد من الخبراء، الانتقال من منطق التدبير القائم على المعطيات الثابتة إلى مقاربة دينامية تستند إلى التقييم المستمر للمؤشرات البيولوجية والبيئية.
كما ينتظر أن تتناول أشغال الورشة عدداً من الملفات ذات الأولوية، من بينها حماية صغار الأسماك، وتطوير آليات مراقبة مجهود الصيد، وتعزيز فعالية فترات الراحة البيولوجية، وتحسين أنظمة التتبع والمراقبة، إلى جانب البحث في سبل رفع القيمة المضافة للمنتوجات البحرية وتحسين مردودية الاستثمارات دون المساس بالتوازنات البيئية للمصايد.
وفي موازاة ذلك، يبرز الرهان المتعلق بتوظيف التكنولوجيا الحديثة في خدمة تدبير الموارد البحرية، حيث تتجه الأنظار نحو الإمكانات التي توفرها أدوات الذكاء الاصطناعي والنمذجة الرقمية للمحيطات وتحليل البيانات الضخمة، من أجل تحسين قدرات التنبؤ بالتغيرات البيئية وتطوير أنظمة اتخاذ القرار المبني على المعرفة العلمية الدقيقة.
ويؤكد العديد من الفاعلين المهنيين أن نجاح أي إصلاح مستقبلي لن يكون رهيناً فقط بجودة المعطيات العلمية أو فعالية التدابير التقنية، بل يتطلب أيضاً تعزيز المقاربة التشاركية وإشراك مختلف المتدخلين في صياغة وتنفيذ السياسات العمومية المرتبطة بتدبير المصايد. فالتجارب الدولية أثبتت أن الاستدامة الحقيقية تتحقق عندما تلتقي الرؤية العلمية مع الخبرة الميدانية للمهنيين.
وتتجاوز الرهانات المطروحة في هذا الورش الوطني حدود المحافظة على مورد بحري استراتيجي، لتلامس قضايا الأمن الغذائي والتنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي بالمناطق الساحلية. فمصيدة الأسماك السطحية الصغيرة ليست مجرد نشاط اقتصادي، بل هي جزء أساسي من المنظومة الإنتاجية الوطنية، وأحد مفاتيح ضمان استدامة قطاع يساهم بشكل وازن في الاقتصاد المغربي ويؤمن مصدر رزق لآلاف الأسر المرتبطة بالبحر.
وفي ظل هذه المعطيات، ينتظر أن تشكل محطة الدار البيضاء خطوة جديدة نحو بلورة رؤية أكثر شمولية لتدبير الثروة السمكية الوطنية، رؤية تضع الاستدامة في صلب الأولويات، وتؤسس لتوازن دائم بين متطلبات المحافظة على الموارد البحرية وضمان استمرارية التنمية الاقتصادية والاجتماعية للقطاع.