البحر انفو – 18/06/2026 طنجة تجمع المغرب وإسبانيا حول مستقبل الموارد البحرية المشتركة.. حوار استراتيجي لرسم خارطة طريق جديدة بمضيق جبل طارق وبحر البوران
تحولت مدينة طنجة، مطلع الأسبوع الجاري، إلى منصة للحوار والتفكير المشترك حول مستقبل الموارد البحرية بمنطقة مضيق جبل طارق وبحر البوران، مع انطلاق أشغال دورة 2026 من “أيام الحوار حول خطة العمل للصيد البحري والتنوع البيولوجي في مضيق جبل طارق وبحر البوران الإسباني المغربي”، بمشاركة واسعة لممثلين عن الإدارات العمومية والمؤسسات العلمية والتنظيمات المهنية والهيئات البيئية من المغرب وإسبانيا.
ويأتي تنظيم هذا الموعد الثنائي في سياق تتزايد فيه التحديات المرتبطة بحماية النظم البيئية البحرية وضمان الاستغلال المستدام للموارد السمكية المشتركة، خاصة في واحدة من أكثر المناطق البحرية حساسية وغنىً بالتنوع البيولوجي على مستوى حوض البحر الأبيض المتوسط، والتي تشكل في الوقت ذاته مجالاً استراتيجياً للنشاط الاقتصادي البحري لكلا البلدين.

وفي كلمته الافتتاحية، أكد منير الدراز، رئيس غرفة الصيد البحري المتوسطية، أن هذا اللقاء أصبح محطة سنوية لترسيخ ثقافة الحوار والتعاون بين مختلف المتدخلين في القطاع، مشيراً إلى أن التحديات البيئية والاقتصادية الراهنة تفرض اعتماد مقاربات أكثر تنسيقاً واندماجاً بين الضفتين، بما يضمن المحافظة على الموارد البحرية واستدامة الأنشطة المرتبطة بها.
وأضاف أن منطقة مضيق جبل طارق وبحر البوران تمثل فضاءً بحرياً مشتركاً تتقاطع داخله رهانات بيئية واقتصادية واجتماعية متعددة، الأمر الذي يجعل من التنسيق المستمر بين المؤسسات والفاعلين المعنيين ضرورة استراتيجية لضمان حسن تدبير الموارد الطبيعية وحماية التوازنات الإيكولوجية.
وشهد اليوم الأول من أشغال الدورة سلسلة من الجلسات الحوارية التي ركزت على قضايا الحكامة البحرية وآليات التنسيق المؤسساتي بين المغرب وإسبانيا، حيث ناقش المشاركون سبل تطوير التعاون في مجال تدبير المصايد المشتركة وتعزيز تبادل البيانات والمعطيات العلمية، إلى جانب بحث آفاق بناء منظومة أكثر تكاملاً لاتخاذ القرار في القضايا المرتبطة بالصيد البحري والمحافظة على البيئة البحرية.

كما احتل البحث العلمي مكانة محورية ضمن النقاشات، من خلال مائدة مستديرة خصصت لموضوع “العلم والمعرفة التطبيقية”، جمعت خبراء من المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري والمعهد الإسباني لعلوم المحيطات ومعهد البحث والتكوين للفلاحة والصيد بالأندلس. وقد شكلت هذه الجلسة مناسبة لاستعراض آخر المعطيات العلمية المتعلقة بحالة الموارد البحرية والضغوط البيئية التي تواجهها المنطقة، فضلاً عن تحديد مجالات التعاون الممكنة لتطوير برامج بحثية مشتركة تدعم التدبير المستدام للمصايد.
وأكد المتدخلون خلال هذه الجلسة أن التحديات المرتبطة بالتغيرات المناخية وتطور النظم البيئية البحرية لم تعد تسمح بالاعتماد على مقاربات تدبيرية تقليدية، بل تستدعي توظيف المعرفة العلمية المحدثة في صياغة السياسات العمومية واتخاذ القرارات المرتبطة باستغلال الموارد البحرية وحمايتها.
كما شدد المشاركون على أهمية توحيد الجهود البحثية وتنسيق عمليات الرصد والتتبع العلمي بين المؤسسات المختصة في البلدين، بهدف بناء قاعدة معرفية مشتركة تساعد على فهم أفضل للتحولات التي تعرفها النظم البحرية بالمنطقة واستباق آثارها على الأنشطة الاقتصادية والبيئية.

واختتمت أشغال اليوم الأول بصياغة أرضية أولية للتوصيات والمقترحات التي أفرزتها مختلف الجلسات، على أن يتم تعميق النقاش بشأنها خلال اليوم الثاني قبل اعتمادها ضمن الوثيقة الختامية وخارطة الطريق المشتركة التي ستؤطر التعاون المغربي الإسباني في هذا المجال خلال المرحلة المقبلة.
ومن المرتقب أن تتوسع دائرة النقاشات خلال اليوم الثاني لتشمل قضايا التنوع البيولوجي والبعد الاجتماعي والاقتصادي لقطاع الصيد البحري، مع التركيز على أوضاع المجتمعات الساحلية ومستقبل البحارة المهنيين ودور الشباب والنساء في الاقتصاد الأزرق، باعتبارهم فاعلين أساسيين في تحقيق تنمية بحرية مستدامة وشاملة.
ويعكس هذا الحوار المتواصل بين المغرب وإسبانيا قناعة متزايدة لدى مختلف المتدخلين بأن مستقبل الموارد البحرية المشتركة لا يمكن أن يُبنى إلا على أسس التعاون العلمي والمؤسساتي والتدبير التشاركي، خاصة في ظل التحديات البيئية المتنامية التي تواجه الفضاءات البحرية المشتركة. كما يؤكد أن حماية الثروة السمكية والتنوع البيولوجي لم تعد مجرد رهان بيئي، بل أصبحت خياراً استراتيجياً يرتبط بالأمن الغذائي والتنمية الاقتصادية واستقرار المجتمعات الساحلية على جانبي المضيق.
وفي هذا السياق، تبرز “أيام الحوار المغربي الإسباني” كإحدى أهم المبادرات الإقليمية الرامية إلى بناء رؤية مشتركة لمستقبل البحر، تجمع بين متطلبات التنمية الاقتصادية وحماية النظم الإيكولوجية، وتؤسس لشراكة عابرة للحدود قوامها المعرفة العلمية والتدبير المسؤول للموارد البحرية.
