لقي قرار وزير الصيد البحري القاضي فتح الباب الترشح لشغل منصب مدير المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري نوعا من الترحاب من طرف فئة عريضة من مهنيي الصيد البحري، لأسباب كثيرة من بينها التقرير العلمي الأخير حول موسم الأخطبوط شتاء 2023 و الذي كان مخالفا للتوقعات و النتائج التي تم تقديمها لوزارة الصيد البحري، و على إثرها كان تقدير وزارة الصيد في تحديد كوطا الأخطبوط بالنسبة لكل صنف من الصيد.
النتائج الأخيرة للمعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، إن على مستوى الأخطبوط، أو الأربيان أو بعض الأصناف السمكية الأخرى، لم تكن في مستوى تطلعات مهنيي الصيد البحري، لأن النتائج و المعطيات كانت خاطئة بنسب كبيرة، و هو ما وضع وزارة الصيد البحري في حرج كبير، جراء هدا الأمر، لكن مداواته كانت بإضافة كوطا صغيرة بمصايد التهيئة جنوب سيدي الغازي، لم تكن كافية بما يناسب الموسم الذي سجل انتعاشة كبيرة عكسها حجم مفرغات الأخطبوط في أيام قياسية، واضطرار مراكب الصيد الساحلية، و سفن الصيد في أعالي البحار و كدا قوارب الصيد التقليدي تجنب الأخطبوط أو رميه بعد صيده في الماء ما شكل كارثة بيئية بكل المقاييس..
قرار وزير الصيد البحري و إن جاء في ظروف تعيش فيه إدارة الصيد على وقع حرب ضروس من أجل شغل المناصب، و حصد التكتلات، و الانتماء إلى الفئة الغالبة، فإن القراءة الأولية لقرار الوزير كانت كافية، لاستخلاص المغزى من وضع شروط معينة على المقاس تكون لصالح شخص أو أشخاص معينة لشغل منصب المسؤوليةن و يقطع الطريق على الكفاءات، أو على من يستحق..
فبالعودة لشروط الترشح لشغل منصب مدير المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، يمكننا قراءة في المادة الثانية من القرار ضرورة التوفر على خبرة في مجال الصيد البحري لاتقل عن 15 سنة، و هي مدة ( معيقة ) لم يبسق بتاتا اعتمادها في أي من المجالات المهنية و لا الاقتصادية، ما يستفاذ أن هدا الشرط يحد أولا من الكفاءات الكبيرة التي تزخر بها البلاد، و لا يمكن للمدة المعنية أن تكون قياس حقيقي للكفاءة، لأنها يسميها البعض ( أقدمية )، لكن المثير في الشروط وبشكل ملفت أيضا “ أن يكون قد تدرج في مناصب المسؤولية و التسيير من ضمنها مسؤولية لا تقل عن رئيس شعبة أو ما يعادلها لمدة أذناها خمس سنوات ” هدا الشرط بالذات تم وضعه بشكل تعسفي و مقصود من أجل قطع الطريق أولا أمام المدراء الجهويين للتقدم للترشح لهادا المنصب، و لمنع بعض الكفاءات التي تم تهميشها في وقت سابق رغم قدرتها الكبيرة، و معرفتها الواسعة بأمور البحث العلمي في الصيد البحري، فيما أن باقي الشروط الأخرى تم اعتمادها لتأثيث القرار و منحه الطابع الخالص و الحقيقي، لكن بالعودة إليها يمكن استخلاص القصد من اعتماد شرط أن يكون المترشح مثلا ملما بقضايا قطاع الصيد البحري و درو البحث العلمي في مواكبة تطوير القطاع ؟ بالضحك على الذقون، فكيف يمكن أن يتقد لهاد المنصب من ليست له دراية بالقطاع أو البحث العلمي، إضافة إلى شرط توفر المترشح على الكفاءات العالية و التجربة المؤكدة في مجال البحث في الصيد البحري، لكن هدا الشرط يسقطه الشرط السابق المتمثل في ضرورة التدرج في منصب المسؤولية و التسيير من ضمنها مسؤولية لا تقل عن رئيس شعبة أو ما يعادلها لمدة أدناها خمس سنوات ( واخا تجيب الشواهد ديالك من النازا، المنصب فصل على مقاس معين ولخبار فراسكم ).
المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري يلزمه الكثير من الأمور قبل أن ينتظر منه مهنيي الصيد البحري المساهمة الحقيقية في الحفاظ على الثروة السمكية، و ضمان استدامتها بالشكل الصحيح بداية من اقتصاره على البحث العلمي و كل ما يتعلق بالبحوث و توفير المعطيات العلمية و البيولوجية لمهنيي الصيد البحري، و ابتعاده عن ممارسة السياسة، و الانحياز لفئة أو جهة من المهنيين على حساب جهة أخرى بل أن يلتزم الحياد في هدا الأمر، كما يستوجب أيضا أن يكون التسيير في أياد أمنة لها الكفاءة في التدبير و التسيير، و ليس إغلاق أفاق الدكاترة و الخبراء العلميين في البحث العلمي بتحميلهم مسؤولية التسيير الإداري ( التوقيع على بونات ديال المازوط )، كما يجب توفير الظروف المواتية للكفاءات العلمية في البحث العلمي في الصيد البحري، و التنويه بدورهم الفعال، و تثمين جهودهم و منحهم الصلاحيات القصوى في مجالاتهم الحقيقية و تخصصاتهم، كما أن على غدارة المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري التنسيق الحثيث مع مهنيي الصيد البحري و خاصة الاستفادة من التجربة الكبيرة التي يتوفر عيلها ربابنة الصيد البحري، مع تقريب الجانب العلمي من التجربة المهنية لضمان رؤيا واضحة تستجيب لمتطلبات المهنة و الحصول على النتائج العلمية الملموسة عملا بالمقاربة التشاركية الفعلية، و الحكامة الجيدة.
وجدير بالذكر أن دستور2011 تضمن مجموعة من المبادئ التي تصب في هدف إرساء دعائم مجتمع متضامن، يتمتع فيه جميع الأفراد بالأمن والحرية والكرامة والمساواة، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية، كما أقر تمتع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، مع التنصيص على أن تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية على تعبئة كل الوسائل المتاحة لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين من هذه الحقوق ومنها الحق في ولوج الوظائف العمومية حسب الاستحقاق.
وقد حدد القانون التنظيمي رقم 02.12 المتعلق بالتعيين في المناصب العليا تطبيقا لأحكام الفصلين 49 و 92 من الدستور، لوائح المناصب التي يتم التعيين فيها بعد المداولة في المجلس الوزاري، وتلك التي يُتداول بشأن التعيين فيها بالمجلس الحكومي، كما جاء المرسوم رقم 2.12.412 بتاريخ 11 اكتوبر 2012 لينظم مسطرة التعيين في هذه الفئة الأخيرة من المناصب العليا، وفي نفس الإطار، صدر المرسوم رقم 2.11.681 المتعلق بكيفيات تعيين رؤساء الأقسام والمصالح بالإدارات العمومية.
ومع تصاعد وتيرة تفعيل المبدأ الدستوري المتعلق بربط المسؤولية بالمحاسبة، والانتقادات الموجهة إلى الإدارة العمومية في العديد من الخطب الملكية، وتأكيد الرسالة الملكية التي وجهت في وقت سابق إلى المشاركين في الملتقى الوطني للوظيفة العمومية العليا على عدم قدرة النموذج التنموي بالمغرب على تحقيق التنمية الشاملة بسبب صعوبات كثيرة من بينها ضعف أداء الإدارة، وبالنظر أيضا إلى كمِّ الاختلالات التي يرصدها المجلس الأعلى للحسابات ومجالسه الجهوية بمناسبة المهام الرقابية التي تقوم بها، فإن اختيار الأشخاص المناسبين لتولي مناصب المسؤولية أصبح موضوعا يطرح نفسه بإلحاح، في ظل الارتباط الوثيق بين أداء المرفق العمومي وطبيعة ومستوى الموارد البشرية العاملة به.
من هنا يستمد هذا الموضوع أهميته وراهنيته في سياق الحاجة الملحة لإدارة مؤهلة لتحقيق رهان تنمية الصيد البحري، وهذا السرد هو محاولة لتقديم قراءة نقدية للشروط التي تم تحديدها في قرار الترشيح للمنصب العالي المتداول بشأن التعيين به في مجلس الحكومة ( مدير المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري)، دون الضرب عرض الحائط مبادئ الشفافية والاستحقاق وتكافؤ الفرص.
إن جدلية ( التجربة المهنية ) تأتي في المقام الثاني بعد الكفاءة و الأهلية و الشواهد و الديبلومات الكبرى المعترف بها من طرف الدولة، تجعلنا نخوض وقفة تأمل في شرطين اثنين شكلا سدا منيعا أمام العديد من الكفاءات، باعتبار تجاوزهما أي الشرطين السقف الأقصى من المدة المتطلبة للترشح للمنصب المعلوم، لإنه وبقراءة للقانون التنظيمي رقم 02.12 المتعلق بالتعيين في المناصب العليا، يُلاحظ بأنه اشترط من بين معايير التعيين، التوفر على مستوى عال من التعليم والكفاءة اللازمة، بينما أوكل المرسوم رقم 2.12.412 إلى السلطة الحكومية المعنية، تحديد الشروط التي يجب توفرها في المرشحين، بداية من المستوى العلمي المطلوب، والكفاءة لتأتي التجربة المهنية بشكل مؤكد في المقام الأخير دون رفع حاجز السنين بشكل ( معيق )لأن هدا الأمر حسب قراءات عديدة للمهتمين بقطاع الصيد البحري تضييقا لما وسعه القانون التنظيمي، و يمكن أن يترتب عنه إقصاء لشريحة واسعة من الأطر التي تتوفر على شَرْطَيْ الكفاءة وعلى مستوى علمي عال يقل عن المستوى العلمي الذي تحدده الجهة المعلنة عن قرار الترشيح، و على التجربة بشكل كاف لدخول حلبة التباري من أجل المنصب المعلن، لهادا كان من المفروض صياغة شروط الترشيح لشغل منصب المدير العام للمعهد الوطني للبحث في الصيد البحري بطريقة موفقة تفتح باب التباري أمام جميع الكفاءات دون استثناء أو تضييق، أو على الأقل انتقاء الإسم المرغوب فيه دون نسج خيوط مسرحية بأساليب مبتذلة… (وتفراش الطريق لفائدة شخص بعينه)