البحر أنفو – 20/10/2025 بوتين ينقل الحرب الهجينة إلى البحر: الأطلسي بين الردع والتصعيد متابعة:
في الوقت الذي تعيد فيه أوروبا رسم خرائط أمنها البحري بعد انضمام السويد وفنلندا إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، يجد الكرملين نفسه محاصراً في بحر البلطيق، وقد تحوّل هذا الفضاء المائي شبه المغلق إلى ما يشبه “بحيرة أطلسية” تُحكمها قواعد التحالف الغربي.
ومع تقلّص الهامش البحري لروسيا بين سانت بطرسبورغ شرقاً وكالينينغراد غرباً، يتبدى جلياً أن موسكو تبحث عن سُبلٍ غير تقليدية لاستعادة نفوذها في هذا المسرح البحري بالغ الحساسية.
من التفوق العسكري إلى الحرب في الظل
تعلم موسكو أن ميزان القوى في البحر لا يميل لصالحها. فأسطول البلطيق الروسي، الذي يعود إلى عهد بطرس الأكبر، لم يعد سوى ظل لتاريخه، مقارنة بالقوة الجوية والبحرية للناتو القادرة – وفق تقديرات عسكرية – على شل قاعدة كالينينغراد في الساعات الأولى من أي مواجهة.
وأمام هذا الاختلال الصارخ في القدرات، يبدو أن الرئيس فلاديمير بوتين يتجه نحو أسلوب مألوف في استراتيجيته: الحرب الهجينة، تلك التي تجمع بين الأدوات غير النظامية والدبلوماسية المموهة والتضليل الإعلامي والعمليات السرية، لتقويض خصومه دون الولوج إلى مواجهة مفتوحة.
حرب هجينة بنكهة بحرية
الحرب الهجينة لم تعد حكراً على البرّ. بوتين – الذي أتقن هذا النمط في جورجيا وأوكرانيا ومولدوفا – نقل المعركة إلى البحر.
تظهر مؤشرات متعددة على لجوء روسيا إلى استخدام سفن تجارية لأغراض استخباراتية، أو لتخريب الكابلات البحرية، أو لمضايقة الملاحة المدنية في البلطيق والبحر الأسود. كما تُتهم موسكو بتوظيف طائرات مسيّرة منطلقَة من منصات بحرية لاستهداف بنى تحتية أو موانئ حيوية.
ورغم أن هذه العمليات تقع في المنطقة “الرمادية” بين الحرب والسلم، فإنها تشكّل تهديداً مباشراً لأمن الاتصالات والطاقة في أوروبا، وتختبر في الوقت نفسه حدود ردّ فعل الناتو.
الرد الأطلسي: نحو حارس دائم للبلطيق
التحالف الغربي بدأ يستشعر هذا التحول في تكتيكات موسكو. ومن هنا وُلدت عملية “Baltic Sentry”، وهي قوة بحرية دائمة تضم فرقاطات وطائرات مراقبة ومسيرات متخصصة في حماية البنى التحتية تحت البحر.
غير أن مراقبين يرون أن هذه الخطوة تبقى غير كافية أمام ما يُوصف بـ”الأسطول الشبحي” الروسي، الذي يضم ناقلات نفط وسفن دعم تُستخدم أحياناً لخرق العقوبات أو لتنفيذ أنشطة مشبوهة تحت غطاء مدني.
بين الردع والتصعيد
الدعوات تتصاعد داخل دوائر الناتو لاعتماد مقاربة أكثر حزماً في مواجهة “الحرب البحرية الهجينة”، من خلال تتبع السفن الروسية المشتبه فيها، واستخدام وحدات خاصة لوضع أجهزة تتبع عليها، أو حتى احتجازها عند ثبوت تورطها في أعمال عدائية.
ويرى أنصار هذه المقاربة أن إظهار الحزم وحده كفيل بكبح المغامرات الروسية في المياه الأوروبية، وإفهام الكرملين أن البحر لم يعد فضاءً آمناً لمناوراته الرمادية.
البحر كساحة مواجهة جديدة
ما يجري في البلطيق ليس مجرد احتكاك عابر بين أساطيل. إنه فصل جديد من صراع استراتيجي تتجاوز رهاناته حدود البحر نحو معركة أعمق على النظام الدولي وتوازن القوى.
ففي زمن تتشابك فيه الكابلات البحرية مع مصالح الطاقة والمعلومات، تتحول الموجات إلى جبهات، وتصبح السفن التجارية أدوات صراع، ويغدو البحر امتداداً جديداً للحرب الهجينة التي لا تُعلن، لكنها تشتعل في صمت.