البحر أنفو – 06/07/2025 “الكناشطا”…سلة السردين التي حكت تاريخ الصيد المغربي، من سلال القصب إلى صناديق النسيان : قصة أداة بحرية صنعت مجد السرادلية بالمغرب.
بين هدير الأمواج ورائحة السردين الطازج في موانئ كآسفي، أكادير، الصويرة، سيدي إفني وطرفاية، عاشت أداة بسيطة تُدعى “الكناشطا” مجدها المهني والوظيفي كرمز لصناعة الصيد الساحلي بالمغرب، قبل أن تُزاح من المشهد، بهدوء، أمام زحف البلاستيك المعياري والإصلاحات التقنية التي طالت القطاع.

“الكناشطا” أو “السلة البحرية” كما يسميها البعض، كانت إلى وقت قريب جزءاً لا يتجزأ من مشهد التفريغ اليومي لمراكب صيد السردين، تُسخّر في نقل المصطادات من عمق البحر إلى اليابسة، عبر أيادي البحارة الذين تمرّنوا على رفعها وتفريغها بسرعة وكفاءة، في زمن كان التفريغ فيه يتم بعَرق الجبين لا بنظام الكود والتتبع الإلكتروني.

من إسبانيا إلى المغرب..إرث لغوي و مهني، كلمة مستوردة من عمق الذاكرة الإسبانية
اللفظ “كناشطا” (Canasta) أصله إسباني صرف، يعني “السلة”، وقد استُخدم من طرف البحارة الإسبان الذين كانوا يصطادون على امتداد السواحل المغربية خلال فترة الحماية وما قبلها، وامتدت ممارستهم المهنية إلى موانئ مغربية معروفة، حيث اندمجت تقنياتهم مع عادات وممارسات الصياد المغربي، فاحتضن المصطلح وتبنّاه، بل وحوّله إلى جزء من ذاكرة القطاع، لتُصبح لاحقاً جزءاً لا يتجزأ من معجمنشاط السرادلية، وخاصة في موانئ السردين الكبرى كميناء آسفي، المهد التاريخي لصناعة السردين بالمغرب.
منذ أربعينيات القرن الماضي، و”الكناشطا” تُستعمل على متن مراكب صيد السردين كأداة أساسية في تفريغ الشحنة من قاع المركب إلى رصيف الميناء، بشكل سريع ومنظّم، وغالبًا على وقع صيحات البحارة الذين ينسّقون العمل في نسق متجانس يختزل الحرفية والخبرة المتوارثة.

من قصب الأرض إلى قصب البحر :
بداية، كانت “الكناشطا” تُصنع من القصب المحلّي، عبر حِرَف تقليدية متقنة توارثها الحرفيون من جيل إلى جيل تشكل بشكل دائري و متين لتحمل وزن كميات معتبرة من الأسماك خاصة السردين. كانت ثقيلة لكنها متينة، تُشبه في بنيتها السلال الفلاحية، غير أنها صُممت خصيصاً لتحمل الرطوبة والملح ووزن الأسماك مجتمعة. وكانت تستغل في تفريغ السردين في عمليات دقيقة و سريعة، قبل دخول مادة الثلج إلى دورة الجودة.
ومع مطلع الثمانينات، بدأت صناعة “الكناشطا” تنتقل تدريجياً إلى البلاستيك، بما وفرته هذه المادة من صلابة ومقاومة للتآكل وسهولة في التنظيف، دون أن تتغير بنيتها الدائرية أو اسمها الشعبي. استمرت في أداء دورها مع احتفاظها على الشكل الوظيفي و التقني.

تطور المهنة.. ونهاية “الكناشطا” وحلول عصر الثلج و الصناديق البلاستيكية: مع دخول التنظيمات الحديثة للمهنة( أنظمة الجودة و سلسلة التبريد )، وتفعيل مخطط تأهيل قطاع الصيد البحري، وخصوصاً بعد فرض وزارة الصيد البحري استعمال الصناديق البلاستيكية المعيارية (les caisses normalisées) المحسوبة بعناية لضبط الكميات وجودة النقل، أصبحت “الكناشطا” أداة متجاوزة لا تستجيب لمتطلبات السلسلة الحديثة للجودة والتسويق، وبدأت تختفي تدريجياً من الموانئ. ترافق ذلك مع تشديد المراقبة على شروط عرض الأسماك، مما جعل استخدام “الكناشطا” التقليدية مخالفاً للمعايير الجديدة، خصوصاً في موانئ التفريغ المهيكلة، حيث لا يُسمح إلا بالصناديق المعتمدة والمختومة.

الحنين إلى أداة المقاومة، أو سلاح البحارة في حروبهم ضد الكوكاطا
ورغم ذلك، لا تزال “الكناشطا” حاضرة في ذاكرة البحارة الذين خبروا زمنها. يقول أحد ربابنة مراكب السردين المتقاعدين:
“كانت الكناشطا بالنسبة لنا ليست فقط أداة تفريغ، بل كانت نبض العمل الجماعي، وكان صوتها وهي ترتطم بجدار المركب يعني أن الخير قادم من البحر.”
في أيام الذروة،كانت سلال “الكناشطا” تُرَص على ظهر المركب بالعشرات، ويتناوب طاقم الصيد على ملئها من العنبر ” أخوو ” “وتفريغها بشكل آلي تقريبًا، بمهارات يدوية مذهلة، قبل أن تُفرغ الأسماك مباشرة في الصناديق، بل كانت أيضا كأداة مهمة للدفاع بها و استعمالها كسلاح ضد المتطفلين والكوكاطا أو الذين يحاولون سرقة الأسماك، أو في الصراعات بين البحارة أنفسهم لتجد البحارة يرددون عبارات ( دابا نسيطف لمك شي كنشطا في الوجه، دابا نفركع لخويا الكمارة بشي كناشطا، وكانت فعليا سلاح فعال تترك أثرها البليغ كل من وجهت له الكنشطا إلى وجه مباشرة )، ولم يسلم من شرها البحارة الجدد أثناء عمليات التفريغ.
وتحمل هذه السلال في طياتها قصصاً من الكدح والمهارة، حيث كان ملؤها وتفريغها يتمان بدقة وسرعة في زمن كانت فيه أدوات البحر تُدار باليد والخبرة. واليوم، بينما تصطفّ الصناديق البلاستيكية النظيفة والمرقمة في أرصفة الموانئ، يحنّ البعض إلى أيام “الكناشطا”، ليس كمجرد أداة صيد، بل كجزء من الذاكرة المهنية التي شكّلت هوية مرافئ بكاملها.

من المتحف الحي إلى غبار النسيان
اليوم، لن تصادف بالموانئ سوى آثار قليلة للكناشطا البلاستيكية على ظهر مراكب صيد السردين،
ولم تجد هذه الأداة، حتى اللحظة، من يُخلّد قصتها ضمن متاحف مهن البحر، أو في مسارات التكوين المهني، رغم ما تحمله من رمزية عميقة في تاريخ تطور المهنة.
إنها قصة أداة بسيطة، صمدت عقوداً بين الملح والماء، ثم انسحبت بصمت حين تغيّر الزمن، تاركة وراءها ذاكرة جماعية عطرة، وسؤالاً مفتوحاً حول مصير تراث الصيد البحري في عصر السرعة والمعايير.

السرادلية أمامكم فرصة للتعليق عن الكناشطا