البحر أنفو – 10/07/2025 الصناعة البحرية الوطنية بين الكفاءة والتهميش: هل ما تزال “مارسا ماروك” تراهن على الخارج رغم التفوق المحلي ؟ متابعة :
في ظل التوجيهات السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، والتي ما فتئت تحث على تعزيز الصناعة الوطنية وتشجيع الكفاءات المغربية في مختلف القطاعات، تُطرح اليوم تساؤلات جوهرية حول استمرار بعض المؤسسات العمومية، من قبيل شركة “مارسا ماروك”، في اللجوء إلى الخارج لبناء واقتناء سفن القطر، في وقت أبانت فيه أوراش بناء السفن المغربية عن كفاءة عالية، وتقنيات متطورة تُضاهي بل وتتفوق في أحيان كثيرة على نظيراتها الأجنبية.
إن اختيار “مارسا ماروك” – إن صحّت المعطيات – تفويت صفقات بناء سفن القطر إلى شركات أجنبية ( الفيتنام )، يطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى التزام المؤسسة بخيارات التنمية الذاتية، وحول مدى الثقة في القدرات الصناعية للمملكة. فالواقع يبرهن أن الصناعة البحرية المغربية لم تعد في موقع المتعلم، بل أصبحت اليوم صانعة لسفن صيد متطورة، بشهادات دولية وبشراكات تصديرية إلى الخارج، كان آخرها سفينة صيد من الجيل الجديد تم بناؤها بالكامل بورش ميناء أكادير ووجهت نحو السوق الفرنسية.

بل إن أوراش بناء السفن في الجنوب، وعلى رأسها ورش “صحراء مونيتورينغ” بطانطان، أثبتت هي الأخرى قدرة على إنتاج مراكب صيد ساحلية للصيد بالخيط و صيد السردين و مراكب وقوارب وفق معايير حديثة، من حيث الهيكلة والتقنيات والاحترام الصارم للمعايير البيئية والبحرية. كل ذلك بأيادٍ مغربية خالصة، تجمع بين الحرفية التقليدية والدراية التقنية الحديثة.
فلماذا إذن الإصرار على استيراد ما يمكن صناعته محليًا ؟ ولماذا إهدار فرص الشغل ونزيف العملة الصعبة في صفقات تُنجز خارج تراب الوطن؟ أليس في هذا اختلال واضح لمبدأ الأفضلية الوطنية؟ وأليس من واجب المؤسسات العمومية أن تكون في طليعة الجهات الداعمة للنسيج الصناعي المحلي، لا سيما في قطاع حيوي واستراتيجي كقطاع النقل البحري؟
لا يخفى على أحد أن المغرب، باعتباره بلدًا ذو موقع جغرافي فريد ومفتوح على واجهتين بحريتين، يطمح إلى بناء أسطول بحري وطني متكامل، قادر على تأمين السيادة البحرية، ودعم المبادلات التجارية، والتقليص من التبعية الخارجية في ما يخص الخدمات المينائية والبحرية. غير أن هذا الهدف لن يتحقق ما لم يتم منح أوراش بناء السفن المغربية المكانة التي تستحقها، ليس فقط على مستوى الاعتراف بكفاءتها، ولكن أيضًا من خلال صفقات حقيقية، وفرص واقعية لتطوير صناعتها وتعزيز تنافسيتها.

إن تشجيع الصناعة المغربية في مجال بناء السفن ليس ترفًا، بل ضرورة وطنية، ورافعة للتنمية، وآلية لترسيخ السيادة الاقتصادية. وهو أمر لا يجب أن يبقى حبيس الخطابات والشعارات، بل يجب أن يُترجم إلى قرارات حازمة، وتوجيهات صارمة، والتزام مؤسساتي صادق بتشجيع المنتوج الوطني.
ختامًا، إن صناعة السفن بالمغرب ليست في حاجة إلى إثبات قدرتها، بل إلى اعتراف حقيقي بها، وإلى فرص متكافئة تُخرجها من دائرة التهميش إلى قلب دينامية الاقتصاد الأزرق، الذي يشكل أحد ركائز النموذج التنموي الجديد الذي رسم جلالة الملك ملامحه بكل حكمة وبعد نظر.