البحر أنفو – 04/08/2025 هل تشرب الأسماك الماء؟ الإجابة أعقد مما تتصور ! عندما نفكر في الكائنات التي تحتاج إلى شرب الماء من أجل البقاء، قد لا تخطر الأسماك على بالنا أولًا. فهي محاطة بالماء طوال الوقت، أليس كذلك؟ فما حاجتها إلى الشرب؟ المفاجأة أن المسألة أعقد بكثير مما تبدو عليه، وتعتمد كليًا على نوع البيئة التي تعيش فيها السمكة، وعلى آليات دقيقة للتوازن الداخلي طورها الانتخاب الطبيعي عبر ملايين السنين.
الأساس: التوازن الاسموزي
لفهم لماذا تحتاج بعض الأسماك إلى شرب الماء بينما لا يحتاج البعض الآخر، علينا أولًا أن نغوص في مبدأ بيولوجي أساسي: التوازن الاسموزي (Osmoregulation). فخلايا الكائنات الحية محاطة بأغشية شبه نفاذة، تسمح بمرور الماء ولكنها تمنع مرور الأملاح بحرية. وبالتالي، حين تختلف تركيزات الأملاح بين داخل الجسم والبيئة المحيطة، فإن الماء يتحرك من المنطقة ذات التركيز الأقل إلى الأعلى لتحقيق التوازن.

أسماك المياه العذبة: الماء يتدفق إليها مجانًا
الأسماك التي تعيش في المياه العذبة (كالأنهار والبحيرات) تواجه مشكلة عكسية: أجسامها تحتوي على نسبة أملاح أعلى بكثير من البيئة المحيطة. والنتيجة؟ الماء يتدفق بشكل طبيعي إلى أجسامها عبر الخياشيم والجلد دون الحاجة إلى أن تشربه.
لكن هذه النعمة ليست بلا ثمن؛ إذ يتوجب على هذه الأسماك التخلص من الفائض المائي بشكل دائم، ما يجعلها تنتج بولًا مائيًا جدًا بكميات كبيرة. وفي المقابل، تحتاج إلى امتصاص الأملاح من بيئتها الفقيرة بها. هنا تتدخل خلايا متخصصة تُعرف بـ”خلايا الكلوريد” الموجودة في الخياشيم، والتي تقوم بامتصاص الصوديوم والبوتاسيوم من الماء بكفاءة عالية، وتعيدها إلى الدم.
أسماك المياه المالحة: الشرب ضرورة حيوية
أما أسماك البحر، فتعيش في بيئة ذات تركيز ملحي عالٍ، أعلى مما هو موجود في أجسامها. وهذا يعني أن الماء يميل إلى الخروج من أجسامها نحو المحيط المحيط بها. لتفادي الجفاف، تلجأ هذه الأسماك إلى استراتيجية معاكسة: تشرب ماء البحر باستمرار.
لكن شرب الماء المالح يطرح تحديًا جديدًا: التخلص من كميات كبيرة من الملح. وتواجه الأسماك هذا التحدي من خلال آليات تنقية فعالة؛ إذ تقوم الكليتان بتصفية بعض الأملاح، بينما تعمل خلايا الكلوريد هذه المرة بشكل معكوس، فتطرد الأملاح الزائدة من الدم إلى الخارج عبر الخياشيم.

تكيف مذهل لتحقيق التوازن
سواء كانت تعيش في أنهار عذبة أو أعماق المحيط، تسعى الأسماك دائمًا لتحقيق التوازن الدقيق بين الماء والأملاح داخل أجسامها. وهي لا تسبح ببساطة في بيئة مائية محايدة، بل تخوض “مفاوضات كيميائية” دقيقة، مستمرة، ومعقدة للحفاظ على هذا التوازن.
بعض الأسماك، مثل سمك السلمون، تمتلك قدرة استثنائية على التكيف مع البيئتين: فهي تولد في المياه العذبة، ثم تهاجر إلى البحر، وتعود لاحقًا للتكاثر في النهر. ولكي تتمكن من ذلك، يعاد ضبط خلايا الكلوريد لديها لتتناسب مع البيئة التي ستدخلها، في تكيّف فسيولوجي رائع.
رغم أنها تعيش وتتنفس في الماء، لا يمكن للأسماك أن تأخذ الماء كأمر مسلّم به. فكل نوع منها طور استراتيجيات حيوية معقدة، تجعل من “البقاء رطبًا” مهمة يومية لا تقل أهمية عن التنفس أو الغذاء. وهكذا، سواء بالشرب أو بالامتصاص السلبي، تبقى الأسماك مثلنا تمامًا: تحتاج إلى الماء… ولكن بطريقتها الخاصة.
