البحر أنفو – 29/08/2025 الوجه الآخر لمحمد نافع… فارس الإدارة وأخلاقيات البحر متابعة: لم يكن أحد ليتوقع أن يتحوّل الرجل الهادئ، الذي اعتاد الناس أن يروه بين الملفات والقرارات والأختام الإدارية، إلى فارسٍ يشقّ الساحة كما لو خرج من بين دفاتر الحكايات.
هو الدكتور محمد نافع، المندوب الجديد للصيد البحري بجهة العيون، القادم إليها من طانطان، محمولًا على تجربة لا تخطئها العين، وتجربة صقلتُها العواصف والفوضى، فإذا بها تُثمر حكمة وصرامة إدارية بالعدل، ورزانة مهنية بالحنكة.
في طانطان، كان البحر مضطربًا، والميناء مسرحًا لتجاذبات المصالح. هناك، وُضعت كفاءته على المحكّ. لم يرفع الصوت، ولم يشهر السوط، بل آمن أن الإدارة ليست قيدًا بل جسرًا، وأن القانون ليس عصًا بل ميزانًا.
بالمقاربة التشاركية، وبحكمة من يزن الأمور بميزان الذهب، استطاع أن يفتح حوارًا مع رجال البحر، وأن يزرع الثقة حيث كانت الضبابية، وأن يحقق التوازن بين مقتضيات القانون ورغيف اليومي للبحّار، وبين مقتضيات الاقتصاد وحقّ المجتمع في الاستفادة من خير البحر.
واليوم، وهو يخطو نحو العيون، لا يأتي الرجل خالي الوفاض. في جعبته تراكم التجارب، وفي صوته صدى البحر، وفي نظرته حلم مدينة كبرى أن تتحول إلى قطب اقتصادي بحري مزدهر.ليس من أولئك الذين يلوذون بالخطابات الجوفاء، بل من صنف الإداريين الذين يتركون أثرًا بالممارسة لا بالكلام، بالنجاعة لا بالادعاء.
لكن لمحمد نافع وجهًا آخر، لا يُرى بين الملفات، بل يتجلّى بين الخيل والبارود. هناك، في مواسم الطلبة والخيل، يمتطي صهوة جواد عربي أصيل، يخطّ في الساحة علامات الفروسية كما لو يستعيد أرواح الأجداد. رجل الإدارة يغدو فارسًا، والفارس يذكّرنا أن المسؤول ليس كائنًا معزولًا في برج إسمنتي، بل واحد من أبناء هذه الأرض، يحمل في وجدانه حبّ القرآن، وشغف التبوريدة، وذاكرة القبيلة.
إنها صورة مركبة لرجل اختار أن يسوس البحر بميزان العدل، وأن يلامس قلوب الناس بالتواضع، وأن يستعيد التراث لا كزينة بل كهُوية. صورة مسؤول يدرك أن الحكامة ليست شعارات، بل هي القدرة على التوفيق بين القوانين الصارمة ومطامح الناس البسيطة، بين صخب الموانئ وهدوء الإدارات، بين وجوه البحّارة المنهكة ووجوه المستثمرين الباحثين عن الجدوى.
في العيون، يبدأ فصل جديد من الحكاية.
وفصل الحكاية هنا، لا يُكتب بالحبر وحده، بل بخطوات الحصان، ورائحة البحر، وبابتسامة رجل خبر معنى الإدارة: أن تكون خادمًا للمصلحة العامة، وحارسًا لذاكرة المكان، وفارسًا يرفع العَلم في صمت…إنه الذكتور محمد نافع بالإسم و المعنى و التاريخ .
ولعلّ المفاجأة التي أضفت على موسم بوشان لمسة أخرى من الدهشة، كانت حين لمح الطالبي حسن، ممثل الصيد التقليدي بغرفة الصيد البحري الأطلسية الجنوبية، شابًا يقود عودًا كومريًا أصيلًا من سلالة الخير، يشارك الفرسان زغاريد البارود، فإذا به الابن الأكبر للدكتور محمد نافع.
لحظة أربكت التوقّع، إذ لم يكن في حسبان الطالبي ولا في خاطر رجالات البحر أن يجدوا نجل المسؤول الإداري حاضرًا بينهم، يشارك والده لا من وراء المكاتب بل في قلب الساحة. عندها التفت الطالبي إلى أهل الصيد قائلاً بلهجة ملؤها الاعتزاز: “ابن محمد نافع حاضر مع أبيه المسؤول”.
كانت العبارة أشبه بإعلان صامت عن أن الفروسية لا تُورّث بالورق، بل بالمعايشة والقدوة، وأن البيت الذي يسوس البحر بحكمة، ما يزال يُغذّي الخيل ويرفع العلم بالبارود.
وهكذا ظلّ الطالبي حسن، ممثل الصيد التقليدي بغرفة الصيد البحري الأطلسية الجنوبية، يتأمل الساحة بوقار العارف بأسرار البحر. رأى في البارود صورة للكرامة، وفي الخيل مرآة للأصالة، وفي وجوه الناس وعدًا بأن التراث ما يزال حيًّا. كانت كلماته المقتضبة أشبه بخاتمة الموسم: الحكامة لا تنفصل عن الذاكرة، والإدارة لا تكتمل إلا حين تصغي لنبض الأرض والبحر معًا.