البحر أنفو – 02/29/2025 حين يتحول البحر إلى مساحة توتر… صيادو الداخلة بين قسوة الأمواج وصرامة المساطر متابعة: في الأفق المترامي لسواحل الداخلة، حيث يشكّل البحر مورد رزق آلاف الأسر، تتعالى أصوات الصيادين التقليديين شاكيةً ما يعتبرونه تضييقاً مفرطاً يثقل كاهلهم ويحوّل مهنة الأجداد إلى معركة يومية.
فقد توصلت جمعية العدالة والكرامة والمساواة بشكايات متواترة توثق حالات توقيف وحجز قوارب من طرف عناصر البحرية الملكية، لأسباب تتراوح بين تجاوز الأميال المحددة أو نقص في بعض الوثائق المرتبطة بجواز الأمان وتسجيل المحركات.
غير أن المثير في القضية ليس فقط تكرار عمليات التوقيف، بل حدة الإجراءات التي يصفها المهنيون بأنها غير متناسبة مع طبيعة المخالفات، خاصة في ظل واقع بحري مأزوم يتسم بندرة المصايد، وارتفاع تكاليف الصيد، والتقلبات المناخية التي تفرض على الصيادين مغامرة يومية مع المجهول. وكأن العقوبات المالية والغرامات المترتبة لم تعد مجرد جزاءات قانونية، بل أثقالاً تهدد القوت اليومي وتضع الأسر على حافة الانكسار.

الأبعاد القانونية لهذا الجدل تكشف بدورها عن إشكاليات عميقة. فخبراء في المجال اعتبروا أن استخلاص الغرامات لفائدة المنطقة الجنوبية يتنافى مع روح الفصل 39 من دستور 2011، الذي يقرّ مبدأ الشرعية الجبائية ويربط فرض الرسوم والضرائب بوجود سند قانوني صريح. ما يعني أن ثمة ممارسات مالية تُطبق في غياب الغطاء الدستوري والتنظيمي الواجب، وهو ما يزيد من حدة الاحتقان بين المهنيين والجهات المشرفة على المراقبة.
في بيانها، دعت الجمعية السلطات المعنية، وفي مقدمتها قيادة المنطقة الجنوبية للقوات المسلحة الملكية، إلى مقاربة أكثر إنصافاً ورحمةً تراعي خصوصيات قطاع هشّ يختلط فيه الاقتصادي بالاجتماعي والإنساني. فالوضع الراهن، بحسب توصيفها، لا يقل عن “حرب خفية” تُشنّ ضد الصيادين التقليديين، الذين يقاومون بالأشرعة البالية وبالمحركات المستهلكة، وسط صمت البحر وصخب القرارات.
إن ما يجري اليوم في الداخلة ليس مجرد نزاع إداري حول وثائق أو مساطر، بل هو امتحان حقيقي لمدى قدرة الدولة على موازنة متطلبات القانون مع مقتضيات العدالة الاجتماعية. صيادو الداخلـة لا يطالبون بإسقاط القانون، بل فقط بأن يُمارَس بميزان من الرحمة والإنصاف، بما يعيد الثقة المفقودة بين الفاعلين في القطاع والسلطات الوصية.
وبين هدير الأمواج وقسوة الغرامات، تبقى الحقيقة الوحيدة أن البحر، الذي لطالما كان فضاءً للعطاء، أصبح اليوم مرآة لصراع صامت بين البيروقراطية والإنسان، صراع لا رابح فيه سوى الخسارة الجماعية لقيمة العدالة ذاتها.