البحر أنفو – 05/09/2025 فيصل بازك.. حين يفتح البحر فصلاً جديداً من الحكاية متابعة: في حضرة البحر، لا شيء يظل كما هو. الأمواج تتغير، والمد والجزر يبدلان الملامح، والرياح تكتب على صفحة الماء فصولاً متجددة من الحكاية. وهكذا كان قدر السيد فيصل بازك، رجل البحر والإدارة، أن ينتقل من موقع إلى آخر، من قلب الرباط حيث كان يقود مصلحة تفتيش السفن، إلى بوجدور، حيث ستفتح أمامه أبواب الأفق البحري الرحب، ليمارس مهمة أوسع وأعمق: مندوباً للصيد البحري في مدينة نسجت هويتها مع الموج والريح والشباك.

من الرباط إلى بوجدور.. رحلة بين فصلين
لم تكن مصلحة تفتيش السفن بالوزارة مجرد مكتب إداري ولا سجلات روتينية، بل كانت أشبه ببرج مراقبة استراتيجي، تتقاطع فيه خيوط الأمن البحري، وتُبنى فوقه جسور الاستدامة. هناك، في ذلك المركز الحيوي، كان فيصل بازك أشبه بـ الحارس الأمين على بوابة البحر؛ يقود فرق التفتيش، يراجع الوثائق، يراقب الرحلات، ويقف سداً منيعاً في وجه الصيد غير القانوني الذي ينهش خيرات البحر في صمت.
واليوم، ينتقل الرجل إلى بوجدور، وكأن البحر أراد أن يضعه في امتحان جديد: من التدقيق في تفاصيل السفن إلى تدبير فضاء أرحب، حيث الميناء قلب نابض، وحيث المصايد الجنوبية تختزن ثروة هائلة لكنها تواجه تحديات أعظم.

حفل بملامح إنسانية
في ليالٍ كهذه، لا يكون الحفل مجرد تجمع بشري ولا الكلمات مجرد مجاملة عابرة؛ بل يغدو اللقاء شهادة صادقة على مسار رجل اختار البحر موطناً والصرامة عنواناً. ذلك ما وقع حين اجتمع زملاء السيد فيصل بازك، المندوب الجديد لوزارة الصيد البحري ببوجدور، ليودّعوه على طريقتهم الخاصة، محتفلين به وقد كان بينهم زمناً طويلاً رئيساً لمصلحة تفتيش السفن بالرباط.
ولأن الذكريات لا تُفارق من عاشها، فقد كان وداع بازك أقرب إلى درس في الوفاء منه إلى طقس إداري، الزملاء الذين عاشوا معه تفاصيل العمل اليومي، لم يستسيغوا فكرة الفراق. فكان الحفل الذي نُظم على شرفه أكثر من مجرد تكريم؛ كان لحظة اعتراف ووفاء، وجوه بارزة من الإدارة، أطر مرموقة كالسيد عبد الحكيم أوراغ مدير مديرية المراقبة بكتابة الدولة المكلفة بالصيد، والسيد محمد احمامو مدير التكوينات البحرية و رجال البحر و الإنقاد، وغيرهم من الأطر ممن جمعهم حب البحر وصرامة المسؤولية.
قُدمت هدايا رمزية، وأُخذت صور تذكارية، لكن خلف الهدايا والعدسات كانت هناك مشاعر صادقة: خليط من اعتزاز برجل ترك بصمة قوية، وحزن خفي على رحيله من بين جدران الإدارة التي اعتادت حضوره. كانوا يقولون في سرهم: “الظروف أقوى منا جميعاً، والبحر لا يستأذن حين يستدعي رجاله.”

البحر كتاب مفتوح
الذين يعرفون فيصل بازك “ الزمط اللمط ” يدركون أن البحر بالنسبة له ليس مجرد مهنة، بل كتاب مفتوح، كل صفحة فيه تروي درساً. السفن سطور، والشباك فواصل، والمصايد فصول متعاقبة، والبحارة هم الكُتّاب الحقيقيون. وبين السطور، يقف هو قارئاً وحارساً، يحاول أن يمنع الحبر من أن يبهت، والصفحات من أن تتمزق، واليوم، إذ يُسلم زمام بوجدور بين يديه، يبدو وكأنه دخل فصلاً جديداً من هذا الكتاب. فبوجدور ليست ميناءً عادياً؛ إنها ذاكرة جماعية للصيد المغربي، ورمز لصمود البحارة في وجه الأطلسي الجنوبي، ومختبر لرهانات الاستدامة البحرية في زمن تتغير فيه المصايد وتتأثر بالمناخ والتحديات الاقتصادية.

وداع أم بداية؟
الحكاية لا تُختزل في صور ولا كلمات عابرة. إنها رواية أطول من ذلك: رواية رجال يكتبون تاريخ البحر بعرقهم، بقراراتهم، بصرامتهم، وبحسهم الوطني. حين يغادر فيصل بازك مركزاً ليلتحق بآخر، فإنه لا يودّع زملاءه بقدر ما يوسّع مجال حضوره. فالقيم التي حملها في الرباط وأكادير سيزرعها في بوجدور، والصرامة التي ميزت عمله ستجد امتدادها في ميناء يزدحم بالحركة، والتحديات التي خبرها في الماضي ستتحول إلى زاد لمواجهة المستقبل.
فيصل بازك لم يغادر الرفاق بقدر ما عبر إلى ضفة أخرى من ذات البحر. فبوجدور، بحمولتها الرمزية في ذاكرة الصيد المغربي، ستستقبل رجلاً خبر لغة السفن وفك رموزها، وقاد لسنوات فرق التفتيش بدقة وصرامة، واليوم يُناط به أن يسهر على تدبير بحرٍ ينتظر منه أن يصون توازنه ويضمن استدامته. ولعل الحكاية في عمقها ليست حكاية وداع، بل فصل جديد من رواية طويلة، عنوانها الوفاء للبحر، ورسالتها أن الرجال حين يغيرون مواقعهم لا يغادرون القلوب، بل يوسّعون مجال حضورهم.
ولعل الرسالة الأعمق من كل هذا أن الرجال الحقيقيين يتحولون إلى جسر يربط الأمكنة والأزمنة، ويمنح البحر معنى يتجاوز حدود الموج. ( صلي على النبي )