البحر أنفو – 08/09/2025 الجرف الأصفر.. الأسماك فوق “الكوبرتا” بين فوضى الميناء وصمت المراقبة متابعة: لا يزال ميناء الجرف الأصفر يعيش على وقع مشاهد عبثية تُسيء لسمعة قطاع الصيد البحري وتُهدد صحة المواطن بشكل مباشر. فبينما يُفترض أن يشكل الميناء فضاء منظماً تُحترم فيه القوانين وتُصان فيه الثروة السمكية، تحوّل في الواقع إلى مسرح لخروقات صارخة، على رأسها عرض أطنان من الأسماك فوق سطح المراكب، المعروف بـ”الكوبرتا”، دون حماية ولا شروط صحية.
هذه الممارسات ليست تفصيلاً بسيطاً يمكن التغاضي عنه؛ فالأسماك المكشوفة لأشعة الشمس ولساعات طويلة تتعرض لارتفاع مستويات مادة الهيستامين، وهي مركب كيميائي يؤدي استهلاكه إلى تسممات غذائية خطيرة قد تصل إلى مستويات قاتلة. ويكفي أن نعلم أن هذه المنتوجات تصل في النهاية إلى موائد الأسر المغربية، لندرك حجم الكارثة الصحية المخبأة خلف مشهد التكديس العشوائي على ظهر السفن.
لكن الخطر لا يقف عند حدود الصحة العامة. فالمعطيات التي يتداولها المهنيون تشير إلى أن بعض مراكب السردين تصطاد أزيد من 1600 صندوق في الرحلة الواحدة، في حين لا تُصرح سوى بـ500 أو 600 صندوق، ليُدفع بالباقي إلى قنوات موازية وسوق سوداء منظمة. بهذا، لا تضيع فقط مليارات السنتيمات من المداخيل الجبائية، بل يُفتح الباب على مصراعيه أمام استنزاف الثروة البحرية ونسف كل جهود الاستدامة.
الميناء نفسه يعكس مظهراً من مظاهر العشوائية: غياب المراقبة الحقيقية، انعدام التتبع لمسار المصطادات، انتشار الأزبال والروائح الكريهة، وغبار الفحم الذي يتسرب إلى الصناديق. بدل أن يكون فضاءً مهنياً عصرياً، أصبح نقطة سوداء تنذر بكارثة بيئية وصحية في أي لحظة.
وسط هذا الواقع المقلق، تُطرح أسئلة ملحّة:ماذا تنتظر مديرية المراقبة التابعة لكتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري ؟ ولماذا يُترك المجال مفتوحاً أمام هذه الخروقات الواضحة؟ ومن المستفيد من استمرار هذا الوضع غير القانوني؟
إن الوضع يستدعي تدخلاً عاجلاً من أعلى المستويات، عبر: فتح تحقيق شفاف حول التصاريح المغشوشة والمسالك غير القانونية. وفرض احترام شروط السلامة في حفظ وتخزين الأسماك و تشديد العقوبات على المراكب المتورطة في تهريب المصطادات. وإعادة تنظيم الميناء وتطهيره من الفوضى والاختلالات التي تنخره.
إن ما يحدث في الجرف الأصفر ليس مجرد تجاوزات معزولة، بل هو نموذج لفوضى منظمة تُهدد صحة المواطن وتستنزف ثروة البلاد. وصمت السلطات المعنية، وفي مقدمتها وزارة الصيد البحري ومديرية المراقبة، لم يعد مقبولاً. فالسكوت أمام الخطر، شراكة صريحة في الجريمة.
فالوضع الراهن لم يعد مجرد إشكال مهني داخلي، بل هو تهديد شامل للثروة البحرية، ولصحة المواطن، ولمصداقية الدولة في حماية قطاع استراتيجي. ومن يلتزم الصمت أمام هذه الفوضى، لا يمكن اعتباره إلا شريكاً فيها.