عاجل
18 سبتمبر 2025 على الساعة 20:42

مقال رأي ..العلمي يكتب : حادثة مركب السردين ” الحسين” : قراءة قانونية هادئة لتوزيع المسؤوليات بعيداً عن المفاهيم الخاطئة.

مقال رأي : حادثة مركب “الحسين”: ما وراء البحث عن المسؤول… تشريح قانوني لأمن موانئ الصيد
أثارت حادثة سرقة مركب الصيد “الحسين” من ميناء أكادير نقاشاً واسعاً ومبرراً حول منظومة الأمن في موانئنا. وفي خضم هذا النقاش، برزت تحليلات سعت لتحديد المسؤوليات، موجهة أصابع الاتهام بشكل شبه حصري إلى “السلطات” المينائية. لكن هذا التوجه، رغم أنه يعكس قلقاً مشروعاً، يتطلب وقفة متأنية لتفكيك الإطار القانوني بدقة، وتصحيح بعض المفاهيم الشائعة والمغلوطة التي تحيط بتدبير أمن الموانئ.
1. المدونة الدولية (ISPS): تصحيح أولي لا بد منه
كثيراً ما يتم استدعاء “المدونة الدولية لأمن السفن والمرافق المينائية” (ISPS Code) في النقاشات المتعلقة بأمن الموانئ. وهنا يكمن سوء الفهم الأول والأساسي: هذه المدونة الدولية لا تنطبق على موانئ الصيد أو على سفن الصيد. يقتصر نطاق تطبيقها حصراً على السفن التي تقوم برحلات دولية وعلى المرافق المينائية التي تستقبلها، نظراً لطبيعة المخاطر المرتبطة بالملاحة الدولية. ومع ذلك، يمكننا استلهام المبدأ الذي تقوم عليه هذه المدونة كنموذج لفهم توزيع المسؤوليات. فالمدونة تفرض مسؤولية مزدوجة: على المرفق المينائي التجاري وضع خطة أمنية خاصة به، وفي نفس الوقت، تفرض على كل سفينة تجارية وضع خطة أمنية خاصة بها تقع مسؤولية تطبيقها على عاتق الشركة المالكة. هذا المبدأ العالمي يؤكد أن حماية السفينة تبقى مسؤولية ذاتية وأساسية لمالكها.


2. مسؤولية “المجهز”: حجر الزاوية القانوني الذي لا يمكن إغفاله
قبل الخوض في مسؤولية السلطات، يجب أن نعود إلى المبدأ الأساسي: السفينة، سواء كانت تجارية أو مركب صيد، هي ملكية خاصة. والقاعدة الأولى في القانون هي أن مالك الشيء هو المسؤول الأول عن حراسته وحمايته. تحميل هذه المسؤولية بالكامل لجهة خارجية هو قفز على المنطق القانوني.
هذه ليست مجرد قاعدة عامة، بل هي التزام قانوني صريح نص عليه القانون 71.18 المتعلق بشرطة الموانئ. فالمادة 27 من هذا القانون تنص بشكل لا لبس فيه على أن: “يجب على كل سفينة راسية أو متوقفة بالميناء أن تتوفر على خدمة حراسة كافية ومؤهلة لضمان سلامة السفينة وللقيام بالمناورات التي يؤمر بها لتفادي الأضرار التي قد تلحقها أو تلحق بمنشآت الميناء أو بالسفن الأخرى”.
وهنا يجب أن نتوقف لنتأمل الواقع العملي المؤلم وتبعاته الخطيرة. “خدمة الحراسة” المتوفرة حالياً هي في الغالب المصدر الأساسي للخلل الأمني. فهذه المهمة الحساسة توكل في كثير من الأحيان إلى أشخاص يعيشون أوضاعاً اجتماعية واقتصادية هشة، وهم ليسوا بحارة مهنيين، وغير مسجلين في سجل طاقم المركب، ويعملون دون عقود أو حماية اجتماعية. هذه الممارسة لا تشكل فقط مشكلة اجتماعية، بل هي مخالفة جسيمة للقانون. فالقانون يتحدث عن حراسة “مؤهلة”، بينما الواقع يفرض حراسة غير مهنية وغير قانونية. الأخطر من ذلك، أن ربان المركب هو المسؤول قانوناً عن سلامة سفينته وعن كل المناورات التي تقوم بها. لكن في غيابه، يقوم هؤلاء الحراس غير المؤهلين بهذه المناورات داخل الميناء، مما يخلق خطراً داهماً على سلامة الأرواح والممتلكات، وفي حالة وقوع حادث (اصطدام، حريق، تلوث)، فإن المسؤولية القانونية الكاملة ستقع على المجهز، الذي سمح بهذا الوضع الشاذ. إن هذا الإهمال لا يهدد مركباً واحداً، بل يخلق خطراً بنيوياً يهدد سلامة الميناء بأكمله.
3. مفارقة القانون 71.18: امتيازات لسفن الصيد مقابل مسؤوليات مهدرة
من المثير للدهشة أن القانون 71.18 نفسه قدّم معاملة تفضيلية واسعة لسفن الصيد، فيما يمكن اعتباره اختلالاً في التوازن القانوني إذا لم تقابله مسؤولية صارمة. فهذه الامتيازات تشمل:
الإعفاء من الإعلان المسبق عن الوصول: فالمادتان 8 و 9 تلزمان كل السفن بإشعار القبطانية بالرسو المتوقع وساعة الوصول، لكنهما تختتمان بفقرة صريحة تستثني سفن الصيد المغربية.
الإعفاء من إمكانية منعها من الدخول: المادة 16 تسمح للسلطات بمنع أو تأخير دخول أي سفينة تشكل خطراً، لكنها تستثني سفن الصيد المغربية من هذا الإجراء.
الإعفاء من مغادرة الميناء بعد انتهاء العمليات: المادة 30 تلزم السفن بالمغادرة فوراً بعد انتهاء عملياتها، لكنها تستثني أيضاً سفن الصيد.
والأهم من كل ذلك، أن المادة 12، التي تفرض على السفن مبدأ الحصول على ترخيص مسبق من القبطانية للدخول أو الخروج أو القيام بأي مناورة، قد استثنت سفن الصيد المغربية من هذا الإلزام الصارم، وأحالت تحديد كيفيات وشروط رسوها وحركتها إلى نص تنظيمي لاحق. هذا النص التنظيمي، الذي يُفترض أن يضع إطاراً خاصاً بسفن الصيد، لم يصدر بعد، مما يخلق فراغاً تنظيمياً يجعل حركة هذه السفن خاضعة لواقع الممارسة أكثر من خضوعها لرقابة قانونية واضحة ومفعلة.
4. دور السلطات ومفهوم الأمن المتكامل
إن دور السلطات، حسب القانون، هو تأمين الفضاء المينائي العام: الأسوار، البوابات، كاميرات المراقبة للمناطق المشتركة. إنها مسؤولة عن تأمين “المحيط” العام، ولكنها ليست مسؤولة عن توفير حارس خاص لكل “ملكية خاصة” داخل هذا المحيط. إن حادثة “الحسين” لا تكشف عن تقصير السلطات بقدر ما تكشف عن أزمة عميقة في تحمل “المجهزين” لمسؤولياتهم القانونية الأولية والأساسية.


5. نحو حلول عملية: من المسؤولية الفردية إلى التنظيم الجماعي
إن تحقيق الأمن الحقيقي في موانئ الصيد يتجاوز مجرد تحديد المسؤوليات، ويتطلب الانتقال إلى الحلول. وهذا يبدأ بإلزام المجهزين بتصحيح الوضع الحالي وتطبيق المادة 27 من القانون 71.18 بحذافيرها. فالحماية التي توفرها السلطات للميناء، لا يمكن أن تكتمل فعاليتها إلا حين يقوم أصحاب “البيوت” بواجبهم الأساسي في إحكام إغلاق أبوابهم.
ولتفعيل ذلك، يجب التفكير في مسارات عملية:
دور الهيئات المهنية: يجب على غرف الصيد البحري وجمعيات المجهزين أن تبادر إلى تنظيم قطاع حراسة السفن، عبر خلق شركات متخصصة أو تعاونيات توفر حراساً مهنيين، مكونين، ومسجلين قانونياً.
إصدار النص التنظيمي: يجب على الجهات الحكومية الإسراع بإصدار النص التنظيمي المتعلق بالمادة 12 من القانون 71.18، لإنهاء الفراغ القانوني وتوضيح قواعد حركة سفن الصيد بشكل لا يقبل التأويل.
ثقافة الأمن المشترك: إن أمن الموانئ ليس مجرد إجراءات تقنية، بل هو ثقافة مشتركة تترسخ حين يدرك كل فاعل أن أمنه الخاص هو جزء لا يتجزأ من أمن الجميع.

مقال رأي بقلم  العلمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *