عاجل
6 أكتوبر 2025 على الساعة 15:38

من نواذيبو إلى الداخلة: المغرب أمام اختبار الاستدامة البحرية، هل تهدد الأزمة السمكية الموريتانية استقرار الساحل الوطني ؟

البحر أنفو – 06/10/2025 الأزمة البحرية في موريتانيا.. هل يلوح نفس المصير في الأفق المغربي؟

في الموانئ الموريتانية، وتحديدًا في نواذيبو، لم تعد صفارات المراكب تُسمع كما في السابق. فالساحل الذي كان يعجّ بالحركة والنشاط، تحوّل إلى مرآة لأزمة هيكلية تضرب عُمق قطاع الصيد في البلاد.

موارد تتناقص، مصانع تتوقف، وصناعة بأكملها تواجه مصيرًا غامضًا بعد سنوات من الاستغلال المفرط للثروة السمكية وتحويلها إلى دقيق وزيت. المشهد اليوم هناك ليس مجرد أزمة اقتصادية، بل انهيار لمنظومة بيئية كانت تُعتبر من الأغنى على مستوى القارة.

غير أن ما يجري في موريتانيا لا يمكن النظر إليه كحالة معزولة. فالمؤشرات المتزايدة على السواحل المغربية، خصوصًا في الجنوب، تثير تساؤلات مشروعة حول مدى قدرة النموذج المغربي على الصمود أمام تحديات مماثلة. فموانئ مثل الداخلة والعيون تشهد منذ أشهر تراجعًا واضحًا في كميات السردين المصطادة، وتقلّصًا في حجمها، وسط قلق متزايد لدى المهنيين من احتمال دخول القطاع في مرحلة ركود حاد.

المعطيات الأولية تفيد بانخفاض إجمالي في المفرغات الوطنية يناهز 20% مقارنة بالعام الماضي، فيما تُسجَّل في بعض مناطق الجنوب نسب تراجع تصل إلى 50 و70%. هذا التراجع يهدد ليس فقط اقتصاد الصيد، بل منظومة صناعية واجتماعية مترابطة تُعدّ العمود الفقري للتنمية المحلية في الأقاليم الجنوبية، حيث يوفر القطاع آلاف فرص الشغل ويساهم بنسبة مهمة في الناتج الوطني.

لكن خلف الأرقام، تلوح إشكالية أعمق تتعلق بفعالية منظومة التدبير البحري. فالمغرب، رغم اعتماده تشريعات وتنظيمات دقيقة تشمل مناطق الصيد، وفترات الراحة البيولوجية، وخطط التسيير، ما يزال يواجه صعوبات في التطبيق الميداني. ضعف المراقبة، ونقص البيانات العلمية الحديثة، وغياب التنسيق بين الفاعلين، عوامل تضعف قدرة الدولة على حماية الثروة البحرية من الاستنزاف.

مصادر مهنية تشير إلى أن جزءًا من الأزمة مردّه أيضًا إلى “فوضى” في بعض أنشطة الصيد التقليدي، وغياب التناغم بين مختلف المتدخلين.

وبينما تؤكد السلطات التزامها بالرقابة اليومية وتطبيق القوانين، فإن المهنيين في الميدان يرون أن الواقع أكثر تعقيدًا، وأن التحدي الحقيقي يكمن في الانتقال من منطق الكمّ إلى منطق الاستدامة.

في المقابل، يبرز سؤال المستقبل بإلحاح: كيف يمكن الحفاظ على التوازن بين الحاجة إلى التنمية الاقتصادية ومطلب حماية البيئة البحرية؟ فالصيد السطحي، الذي يُعتبر رافعة رئيسية للاقتصاد المحلي في الجنوب، لا يمكنه الاستمرار بنفس الوتيرة دون مراجعة جذرية لسياسات التسيير والمراقبة.

دعوة الملك محمد السادس في خطابه الأخير إلى إنهاء “مغرب السرعتين” تكتسب هنا بعدًا خاصًا، إذ تمسّ جوهر العدالة المجالية في مناطق تعتمد بشكل كلي على البحر كمصدر للحياة. فالحديث عن العدالة الاجتماعية في الجنوب لا ينفصل عن العدالة البيئية، لأن استدامة الثروة البحرية تعني بالأساس استدامة فرص العيش والاستقرار.

الأزمة الموريتانية ليست مجرد واقعة عابرة في بلد مجاور، بل إنذار مبكر لمنطقة بأكملها. وإذا لم يُستدرك الأمر بسياسات أكثر حكمة وجرأة، فقد يمتد أثرها إلى الشمال، حيث لا يملك البحر صبرًا طويلًا على من يستهلكه بلا توازن. المستقبل، بكل بساطة، لن يكون لمن يصيد أكثر، بل لمن يعرف كيف يصون ما تبقى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *