البحر أنفو – 14/10/2025 تصديق المغرب على معاهدة “أعالي البحار”.. خطوة استراتيجية تعيد رسم التوازن البيئي في مضيق جبل طارق متابعة:
في تطور لافت يعكس التزامه المتجدد بقضايا البيئة البحرية، صادق المغرب مؤخراً على معاهدة أعالي البحار (BBNJ)، وهي الخطوة التي تضعه ضمن الدول السباقة في المنطقة للمصادقة على هذا الاتفاق التاريخي، الذي من المنتظر أن يدخل حيز التنفيذ في 17 يناير 2026.
هذا التصديق لا يندرج فقط في إطار الالتزام الدولي بحماية التنوع البيولوجي، بل يحمل في طياته أبعاداً جيوبيئية واستراتيجية عميقة، خصوصاً بالنسبة إلى مضيق جبل طارق، الذي يُعد أحد الممرات البحرية الأكثر حساسية واستراتيجية على الكوكب.
رغم أن المضيق لا يندرج قانونياً ضمن “المياه الدولية”، باعتباره يقع ضمن نطاق الولايتين البحريتين لكل من المغرب وإسبانيا، إلا أن توازناته الإيكولوجية والهيدروديناميكية ترتبط بشكل مباشر بالأنظمة البحرية الواسعة التي تسعى المعاهدة الجديدة إلى حمايتها. فكل تغير بيئي أو بيولوجي في أعالي الأطلسي، ينعكس بصورة أو بأخرى على الديناميات البيئية في المضيق، وعلى الثروات البحرية التي تعبر منه نحو المتوسط.
ووفق ما أورده الصحفي الإسباني رارا مايكيز في صحيفة “أوروبا سور”، فإن التصديق المغربي يمثل “منعطفاً مفصلياً نحو تعاون عابر للحدود يهدف إلى إدارة أكثر استدامة للنظم البيئية المشتركة بين الضفتين، وتكريس الرؤية البحرية للمغرب كفاعل إقليمي مسؤول في حماية الفضاءات البحرية المفتوحة”.
معاهدة من أجل “كوكب أزرق” متوازن
معاهدة BBNJ، التي عملت الأمم المتحدة على بلورتها طيلة عقدين من المفاوضات، تُعد أول إطار قانوني شامل موجه لحماية التنوع البيولوجي في المناطق الواقعة خارج الولاية الوطنية، أي تلك المساحات الشاسعة من المحيطات التي لا تخضع لأي سيادة مباشرة.
أبرز أهدافها يتمثل في حماية 30٪ من محيطات العالم بحلول سنة 2030، تماشياً مع الالتزام الدولي المعروف باسم “30×30”، عبر:
إنشاء مناطق بحرية محمية،
فرض تقييمات صارمة للأثر البيئي على الأنشطة البحرية الكبرى،
وتعزيز نقل التكنولوجيا والمعارف العلمية نحو الدول النامية لضمان عدالة بيئية في تقاسم المنافع.
المغرب.. بين الالتزام البيئي والرؤية الجيوسياسية
انخراط المغرب في هذا الاتفاق لا يُقرأ فقط في بعده البيئي، بل أيضاً كجزء من رؤية استراتيجية أوسع لتثبيت مكانته في إدارة الممرات البحرية العالمية. فمضيق جبل طارق ليس مجرد معبر تجاري، بل نقطة التقاء بيولوجية بين المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، وأي خلل في توازنه البيئي يمكن أن تكون له انعكاسات مباشرة على الأمن الغذائي البحري والإيكولوجي في المنطقة.
بهذا التصديق، يعيد المغرب التأكيد على التزامه بالحوكمة البحرية الرشيدة، وبنهجٍ يجمع بين حماية البيئة وتنمية الاقتصاد الأزرق، في توازنٍ دقيق بين التنمية والسيادة والمسؤولية الكوكبية.