البحر أنفو – 20/10/2025 صراع “الكوبيرتا”.. حين تنفجر خطوط التماس بين الربابنة والميكانيكيين
في عمق موانئ الصيد البحري بالمغرب، وتحديداً على متن مراكب الصيد بالجر، يحتدم صراع مهني صامت بين الربابنة والبحارة من جهة والميكانيكيين والسّوكوندوات من جهة أخرى. صراعٌ يبدو في ظاهره تقنياً يتعلق بتوزيع المهام داخل المركب، لكنه في جوهره يمسّ توازن السلطة والمسؤولية والعمل في واحدة من أكثر المهن حساسية وخطورة على الإطلاق.
الربابنة والبحارة: “الميكانيكي ماشي فوق الكوبيرتا… هو جزء من الطاقم”
من وجهة نظر الربابنة والبحارة، الأمر محسوم:
الميكانيكي والسوكوندو جزء من طاقم الصيد، وعليهما أن يشاركا في العمل فوق الكوبيرتا سواء في إنزال الشباك، أو جرّها، أو أي مهمة جماعية تفرضها ظروف البحر من تصنيف الأسماك وتعبئتها في الصناديق ورفع الشباك…
يقول أحد الربابنة مخاطباً زملاءه: “ما كاينش شي باي بارد فالبحر.. كلشي يخدم، وكلشي يشد الريح”.
هؤلاء يعتبرون أن بعض الميكانيكيين يستفيدون من امتياز مزدوج: يتقاضون أجورهم الكاملة، إضافة إلى “الزيادة” أو ما يُعرف بالـ باي ديال الزيادة، دون أن يشاركوا فعلياً في المجهود البدني اللي كيخوضوه البحارة فوق سطح المركب.
وبالنسبة لهم، التكنولوجيا الحديثة قلبت المعادلة:
“اليوم الرايس كيشوف الموطور كامل بالكاميرات، وكاين إنذار فوري فاش كاين حريق أو تسرب مائي، يعني الميكانيكي ما بقاش معزول فالكبينة، خاصو يكون متعاون فوق الكوبيرتا بحال الجميع”.
الميكانيكيون والسّوكوندوات: “السلامة ماشي لعبة.. ومهامنا تقنية خالصة“
في المقابل، ترفض جمعية الميكانيكيين هذا المنطق جملة وتفصيلاً.
بالنسبة لهم، الميكانيكي والسوكوندو مسؤولان أولاً وأخيراً عن سلامة المركب، عن أداء المحرك، نظام الوقود، التهوية، الإنذار، والمراقبة المستمرة للمنشآت التقنية.
ويقول أحد الميكانيكيين:
“اللي كيطلب من الميكانيكي يخدم فالكوبيرتا ما كيعرفش قيمة السلامة.. راه دقيقة وحدة ديال الغفلة ممكن تولي كارثة“.
هذه الفئة ترى أن إشراكها في أعمال الصيد اليدوية فوق السطح يخرق منطق الاختصاص المهني ويعرّض السفينة لخطر حقيقي، لأن الميكانيكي خاصو يبقى “مكونصونتري” على الماكينة، ماشي على الشباك.الميكانيكي والسوكوندو مسؤولان أولاً وأخيراً عن سلامة المركب، عن أداء المحرك، نظام الوقود، التهوية، الإنذار، والمراقبة المستمرة للمنشآت التقنية
ويعتبرون أن تحميلهم مهام خارج نطاقهم محاولة لتبرير الضغط على البحارة، وتفريغ جزء من المجهود عليهم، في وقت المفروض فيه أن تتم إدارة العمل بتوازن ومسؤولية.
بين التقنية والهيمنة المهنية
هذا الخلاف المهني يكشف ما هو أعمق من مجرد نقاش حول “من يخدم في الكوبيرتا”.
هو صراع حول حدود السلطة المهنية داخل المركب، وحول من يملك القرار في توزيع المهام.
الربان، باعتباره قائد السفينة والمسؤول الأول عن الطاقم، يرى أن له الحق في توجيه الجميع.
لكن الميكانيكي، الذي يحمل تكويناً تقنياً وشهادة اختصاص، يعتقد أن استقلاليته التقنية جزء من ضمان الأمن البحري نفسه.
ورغم أن كِلا الطرفين يستندان إلى حجج قوية، إلا أن غياب تنظيم مهني واضح يحدد المهام بدقة هو ما يغذي هذا التوتر، ويحوّل كل رحلة بحرية إلى مساحة اختبار للأعصاب.

صراعٌ يعكس التحولات العميقة في مهنة البحر
لم يعد البحر كما كان قبل عقدين.
الآلات أصبحت أكثر تطوراً، المراقبة صارت رقمية، والمهارات المطلوبة تغيرت.
ومع ذلك، فإن الذهنية داخل المراكب ما تزال تُدار في كثير من الأحيان بمنطق “الخبرة والتقليد”، لا بمنطق المهنة الحديثة.
وهنا تكمن المفارقة: تكنولوجيا متقدمة بعقليات تقليدية، ما يجعل كل نقاش حول “من يخدم ومن ينعس” يتحول إلى نزال رمزي على هوية المهنة نفسها.
صراع الربابنة والميكانيكيين ليس نزاعاً بسيطاً على مجهود بدني أو تعويض مالي.
إنه نقاش حول فلسفة العمل البحري في زمن التحول التقني، بين من يرى أن روح البحر تقوم على التعاون الجماعي، ومن يرى أن الكفاءة التقنية هي جوهر السلامة.
وما لم يتم حسم هذا الخلاف في إطار مؤسساتي وتنظيمي واضح، فإن “كوبيرتا الصيد” ستظل مسرحاً لمعارك صامتة، عنوانها العريض:
من يحكم المركب؟ التقنية أم التجربة؟