البحر أنفو – 07/12/2025 في مشهد يعكس حجم الترقب داخل منظومة الصيد الساحلي بالمغرب، يعيش البحارة ومهنيو صيد السردين على إيقاع انتظار ثقيل لِما سيُسفر عنه اللقاء المرتقب بين التمثيليات المهنية، من مجهزين وتجار السمك، بشأن الحسم في طبيعة الصندوق الموحد وقياساته التي ستُعتمد مستقبلًا. ورغم أن الأمر يبدو تقنيًا في ظاهره، إلا أنّ تجاذباته تأخذ بُعدًا اقتصاديًا واجتماعيًا وحتى تاريخيًا داخل القطاع، إذ يراه كثيرون نقطة تحول في علاقة البحّار بالسوق وعلاقة التجار بمنظومة البيع.
بالنسبة للبحّارة، يُمثّل الحسم في الصندوق الموحد أكثر من مجرد نقاش حول وسيلة تفريغ الأسماك؛ فهو بالنسبة لهم خطوة مفصلية لـ كسر الهيمنة التي يمارسها بعض “الماريورات” داخل سلسلة التسويق، وهي هيمنة تُترجم إلى ضغوط واحتكار وتوجيه للسوق بما يخدم مصالح فئة محدودة.
الصندوق الموحد، في نظرهم، يفتح الباب أمام مساواة في شروط العمل، ويضمن تثمين المنتوج، ويعيد الاعتبار لمبدأ التنافسية الشريفة. إنه باختصار معركة من أجل الكرامة المهنية قبل أن يكون مجرد موضوع لوجيستي.

لكن على الضفة الأخرى، يرى بعض تجار السمك أن هذا التحول قد يكون فرصة ثمينة لإعادة التوازن وتوسيع هامش المناورة داخل السوق. فالتجار الذين ظلوا لفترة طويلة يصطدمون بإكراهات الصناديق البلاستيكية الحالية – خصوصًا إلزامية إعادة تفريغ الأسماك منها بعد رسو المزادات عليهم يعتبرون أن هذا الإجراء يمس جودة المنتوج ويُفقده جزءًا من قيمته التسويقية، فضلًا عن كونه يُعمّق كلفة عملية التسويق ويُعقد مسار البيع.
الصندوق الموحد، بالنسبة لهم، ليس مجرد أداة؛ بل مفتاح لتحرير عمليات الشراء وكسر القيود التي فرضتها منظومة تنظيمية لم تعد تواكب واقع السوق، حيث وبين هذين الموقفين، يبرز رأي ثالث يعتبر أن الصناديق البلاستيكية البديلة، حتى وإن كانت تحركًا جديدًا في السوق، إلا أنها تطرح احتمالًا مهمًا لكسر الاحتكار وفتح الباب لخيارات متعددة تُسهم في تحرير التجارة السمكية من قبضة فئات متحكمة.

أما الفئة التي تفضّل الصندوق الموحد بشكل مطلق، فترى فيه حلًا عمليًا وناجعًا، لكنه في الوقت نفسه قد يكون نوعًا من الهروب إلى الأمام، لتجنب الخوض في ملفات غير محسومة من الماضي، وعلى رأسها مشروع الصناديق البلاستيكية الموحدة الذي سبق أن طُرح وفشل في إرساء منظومة مستقرة خصوصا وأنه كلف الملايير، اليوم، وعلى بُعد خطوات من اجتماع مفصلي، تقف أسئلة كثيرة دون جواب:
هل يتحقق الإجماع حول صيغة صندوق موحد قادر على استيعاب مصالح الجميع ؟
هل سيكون هذا التحول فرصة لتصحيح اختلالات مزمنة داخل القطاع أم مجرد تعديل شكلي يلتفّ على جذور الأزمة ؟
وهل يقود هذا النقاش، لأول مرة، إلى هندسة جديدة للعلاقة بين البحار، والمجهز، والتاجر، أم يعيد إنتاج نفس التوازنات التقليدية بواجهة جديدة ؟
ما هو واضح أن اللقاء المقبل لن يكون تقنيًا فقط، بل سيكون محطة لقياس موازين القوى داخل منظومة السردين، ولتحديد الاتجاه الذي ستسلكه هذه الفئة الاستراتيجية من الصيد البحري في السنوات المقبلة. إنها لحظة حاسمة بين ماضٍ لم يعد يقنع أحدًا، ومستقبل لم تتضح معالمه بعد… لكن بوادره تحمل وعودًا وتحديات في الآن نفسه.

في حال توصّل الفاعلون المهنيون إلى اتفاق نهائي حول اعتماد الصندوق الموحّد، سيبرز سؤال بالغ الحساسية: هل سيتم فتح طلبات العروض بشكل شفاف أمام المصنعين، أم أن جهة بعينها ستستفيد من امتياز احتكار التصنيع ؟ هذا السؤال ليس تفصيلاً تقنياً، بل هو جوهر النقاش المقبل، لأن تحديد الجهة المنتجة سيعيد رسم موازين القوة داخل المنظومة البحرية ويحدد من سيتحكم فعليًا في سلسلة القيمة.
ثمّة مخاوف حقيقية داخل الأوساط المهنية من أن يُمنح هذا الامتياز لمصالح ضيقة، ما قد يضع القطاع أمام موجة جديدة من الجدل. فالحرفيون والتجار المتوسطون والصغار يرون أن إسناد مهمة إنتاج الصناديق لمهنيين ينشطون في نفس “الحنطة” سيكون ضربًا لمبدأ تكافؤ الفرص، بل وسيخلق علاقة غير متوازنة تجعل مورّد الصندوق منافسًا في السوق في الوقت نفسه.
بالنسبة لهؤلاء، هذا السيناريو سيُفجّر نقاشًا واسعًا حول الشفافية، وقد يتحول إلى نقطة اشتعال جديدة تفوق في حساسيتها جدل الصناديق نفسه. وفي المقابل، يعتقد آخرون أن الذهاب إلى طلبات عروض مفتوحة ورسمية، مع تحديد معايير دقيقة للكلفة والجودة، هو الحلّ الوحيد لضمان الثقة ومنع أي تشويش جديد. لكن هذا الخيار بدوره يفرض سؤالاً إضافيًا: ما هي الكلفة الحقيقية لإنتاج الصندوق الموحّد، ومن سيتحملها في النهاية؟ فالقطاع يقف اليوم أمام لحظة فارقة، وكل قرار سيترك أثرًا طويل المدى، إمّا في اتجاه تنظيم السوق وضمان التنافسية، أو في اتجاه إعادة إنتاج نفس الاختلالات بوجه جديد أكثر تعقيدًا.