البحر أنفو – 11/12/2025 زكية الدريوش… المرأة الحديدية التي غيّرت ملامح قطاع الصيد البحري في المغرب
بقلم: أمّ العيد لمّادي
خريجة معهد التكنولوجيا للصيد البحري.شعبة ربان الصيد
ورئيسة جمعية المرأة الصحراوية للصيد البحري بالعيون.
في قطاع كان يُعدّ من أكثر القطاعات ذكورية في المغرب، قطاع شديد الصرامة، متشابك المصالح، قوي البنية، ومعقد الملفات… تظهر امرأة استثنائية، هادئة الطباع، حديدية الإرادة، متواضعة في حضورها، كبيرة في عطائها. إنها السيدة زكية الدريوش، كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، التي أعادت رسم خريطة القطاع، ورفعت سقف التوقعات، وكتبت اسمها في تاريخ القيادة النسائية المغربية بحروف من ذهب.
لم تكن مجرد مسؤولة تحمل حقيبة قطاع حساس، بل كانت روحاً جديدة ضخّت الحياة في الصيد البحري، ورؤية مبتكرة دفعت بالمغرب نحو اقتصاد أزرق أكثر عدالة، وأكثر استدامة، وأكثر شمولاً للمرأة، للشباب، وللمناطق التي طالها التهميش.
ريادة وطنية ودولية غير مسبوقة
الإنجاز التاريخي الذي جمع العالم على الاعتراف بقدراتها هو انتخابها أول امرأة في تاريخ منظمة ICCAT الدولية لرئاسة الجهاز المكلف بحماية التونة الأطلسية. هذا المنصب الذي ظل لسنوات طويلة حكراً على كبار الخبراء الرجال، انتقل إلى امرأة مغربية، ليترسخ معها حضور المغرب في القرار الدولي البحري، ويتأكد أن القيادة ليست جنساً، بل كفاءة وثقة وجدارة.
إصلاح المنظومة القانونية وحماية الثروة البحرية
بصمتها الإصلاحية كانت واضحة. فقد عملت على تحديث الترسانة القانونية للقطاع، وتشديد محاربة الصيد غير القانوني، وتقوية آليات المراقبة، وتنظيم مراحل الراحة البيولوجية. وكانت حاضرة في البرلمان بمداخلات مؤسساتية دقيقة، مبنية على الأرقام، توضح للرأي العام كيف تُدار الثروة السمكية، وكيف تُحافظ الدولة على استدامتها للأجيال.

إدماج النوع… المرأة من الهامش إلى قلب البحر
من أجمل إنجازاتها وأكثرها تأثيراً هو منح المرأة مكاناً حقيقياً داخل قطاع الصيد البحري، ليس كشعارات بل كبرامج فعلية على الأرض. فقد جعلت من إدماج النوع أولوية، وأطلقت برامج لدعم التعاونيات النسائية، وفتحت أبواب الوزارة أمام النساء لأول مرة كمستثمرات، مسيّرات، وربانات، وعاملات في التثمين، ومعالجات للأسماك.
هذا التحول انعكس في التكوين، في الدعم المالي، في تسهيل الولوج للمشاريع، وفي الاعتراف بدور النساء داخل سلسلة القيمة البحرية، من اليابسة إلى البحر.
تربية الأحياء المائية… ثورة هادئة تقودها امرأة قوية
من بين المشاريع التي تحمل بصمة مباشرة قوية للسيدة زكية الدروش مشروع تربية الروبيان بإقليم الرحامنة، وهو مشروع رائد يستعمل أحدث تقنيات العالم في نظام إعادة تدوير المياه RAS، ويُعد نموذجاً فريداً في منطقة داخلية بعيدة عن البحر.
مشروع ضخم يستهدف إنتاج مئات الأطنان، وخلق عشرات مناصب الشغل، ويفتح الباب لأول مرة أمام اقتصاد بحري ينمو في عمق الصحراء والسهول والواحات، ليعلن أن البحر لم يعد محصوراً في الساحل، بل أصبح مورداً وطنياً شاملاً.

تنمية المناطق الداخلية… البحر يصل إلى العمق المغربي
من بين ثمار رؤيتها الاستراتيجية، تحويل المناطق الداخلية إلى فضاءات جديدة لأنشطة بحرية، من خلال الصناعات التحويلية، أسواق السمك النموذجية، مشاريع التثمين، وتربية الأحياء المائية.
مشاريع مثل سوق السمك بمراكش، ومراكز التوزيع، ووحدات التصنيع، ومبادرات الربط اللوجستيكي، كلها ساهمت في تقريب المنتوج البحري من المواطن، وفي خلق فرص جديدة للشغل والتنمية المحلية بعيداً عن الساحل.
أرقام تؤكد التحوّل الحاصل في القطاع
القطاع الذي تشرف عليه اليوم يُعد من أعمدة الاقتصاد الوطني:
– صادرات المنتجات البحرية قاربت 31 مليار درهم في إحدى أهم السنوات.
– حجم وحدات التجهيز والمعالجة تجاوز 518 وحدة عبر التراب الوطني.
– توسع غير مسبوق في مزارع الأحياء المائية، بمئات المشاريع المستغلة والمبرمجة.
– دعم مباشر للعشرات من التعاونيات النسائية، وتكوينات مستمرة موجهة للشباب والنساء.

هذه الأرقام ليست مجرد حصيلة اقتصادية، بل هي مؤشرات على نجاح مشروع دولة قادته امرأة بروح مسؤولة، وبقلب محب للوطن، وبعقل إصلاحي لا يعرف التراجع.
إنسانة متواضعة… ومسؤولة تُنصت
ورغم حجم المسؤولية، تظل زكية الدريوش مثالاً نادراً في التواضع، قريبة من الناس، من العاملات في تعاونيات الطحالب، من نساء معامل التثمين، من الربانات المتدربات، من الصيادين التقليديين.
لم تصنع لنفسها مسافة مع القطاع، بل نزلت للموانئ، زارت المشاريع، حاورت المهنيين، وتتبعت الملفات الصغيرة والكبيرة بروح خدمة حقيقية، لا بروتوكول شكلي.
امرأة حديدية… وبوصلة إصلاحية لا تنحرف
قوة شخصيتها تكمن في كونها تجمع بين الصرامة والإنسانية، بين اتخاذ القرار وبين القدرة على الاستماع، بين الجرأة في الإصلاح وبين الانحياز للضعفاء داخل السلسلة البحرية.
إنها امرأة تؤمن بأن الوطن يُبنى بالمساواة، بالعمل، بالابتكار، وبفتح الباب أمام كل طاقات المغرب: رجالاً ونساءً، شباباً وكفاءات